للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم لم يزل به حتى شرب، ولد معه عامة ليلته وطرب. فلما طلع ابن ذكاء، وأنار الصُّبحُ وأضاء، شكر له المنصور حلَّ عُقدة الغلام، وقال: مثلك من سَحَرَ بالكلام. ثم سنى له الجائزة، وغدا ابن تميم ويده لها حائزة.

ثم استدعاه ليلة أخرى، والحندس قد أسبل جلابيبه، والظلام قد صب شآبيبه، والنجوم قد آلت أن لا تزول، وركائبُ السَّيَّارَةِ على المجرَّةِ نُزول. فبيناهم في ذلك العيش السَّجسج، وبُرْدُ السُّرورِ الذي مثلهُ ما يُنسج، وإذا بجارية في ظلامها مسفرة، ولذمامها غير مُحقرة. قد عَنَّت كالظَّبية المقبلة، تحت ذيل ذوائبها المسبلة، فقال له: إن كنت من أبناء قَيْلة، قل في هذه الليلة. فقال (١): [من الكامل]

يا ليلةً قصَّرتِ زورةَ غادةٍ … سَفَرَتْ فأغنى وَجْهُها عن بدرها

حتى إذا خافت هجوم صباحها … نَشَرَتْ ثلاث ذوائب من شعرها

فتبسمت تضحك لشَيبِ مفرقه، وتوضح الشمس في مفرقه، فقال (٢): [من الوافر]

تقول وقد وصفت لها مشيبي … بزهر في دُجَى شعري منير

بودي لو يغيّبُهَا غمامٌ … ويؤمر بالمقام فلا يسير

فقال له الملك المنصور: دع عنك هذا، وقل في ذوائب هذه الجارية، فقال (٣): [من الطويل]

وهيفاء يسبينا اهتزاز قوامها … وتفتننا بالسحر أجفانها المرضى

يطول عليها الشعر حتى إذا مشت … أَتَى خاضعًا قدامها يلثم الأرضا

فقال له: بالله هل أعجبتك هذه الجارية؟ فقال: إي والذي خلق الحُب، وقيم الز … ، فضحك المنصور، وضحكت الجارية. ثم قال له: أفتحب أن تكون ملكك، على أن لا تمنعنا من عادة زيارتها؟ فقال: رضيتُ بالشَّركة. فقال له المنصور: لو قلت هذا شعرًا لكان أحسن. فقال: [من الطويل]

يقولون لم نعهدك في الحب آخذًا … شريكًا ولا مستأنسًا بصديق

فقلتُ طريق الحب أصعب مخطرًا … مخوفًا فلم يُسْلَك بغير رفيق

فقضى معه ليلةً لم ير مثلها ابن حُجْرٍ في لياليه الغُران، ولا ابن بحر عند ابن الخيزران.

وحكي أنه استدعاه في صبيحة يوم أبيض، ونور بات ياسمينه على الأرض


(١) البيتان في ديوانه ٣٣.
(٢) البيتان في ديوانه ٣٤.
(٣) البيتان في ديوانه ٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>