يا حسنه من جدول متدفّقٍ … يُلهي برونق حُسنِه من أبصرا
ما زلتُ أنذره عيونًا حولَةٌ … خوفًا عليه أن يُصاب فتعثرا
فأبى وزاد تماديًا في جَرْيِهِ … حتَّى هوى من شاهق فتكسرا
فَسُرَّ المنصور بأبياته، وأحب استطلاع خبايا نياته، وأمره بالجلوس إليه، وجعله أرفع القوم مجلسًا لديه. ثم لم يستقر به المكان، ولا قعد واستكان، حتى تحرك المجلس لغلام وَرَد، كأنما تبسّم عن بَرَدٍ، فقال له المنصور بصوت يُخفيه: ما تقول فيه، فقال (١): [من الخفيف]
بأبي أهيف تبدّى وحيّا … بابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه وثنايا … نجومًا طلعن وَسْطَ النّهار
فقال له سرًا، وقد أسفر وجهه وتسرّى: إلا أنه شديد النفار من المدام، ولو قُرِّعَ بالملام. فهل تقدر على استبلابته، وتسهيل بأسه واستهابته؟. فما قطع المقال، حتى التفت إليه ابن تميم وقال (٢): [من الطويل]
أَتَهْجُرُهَا صِرفًا لأجلِ خُمارِها … وذلك شيء لو جَرَى غير صائر
فلا تخش من داءِ الخُمارِ وعاطها … (هنيئًا مريئًا غير داء مخامر) (٣)
فكاد الغلام يسطو عليه سطوة العائث، وقال له كالعابث: وما هذه؟ فقال (٤): [من السريع]
صفراء لو لاحت لشمس الضُّحَى … من قبل أن تطلع لم تطلع
أحسنُ ما في وصفها أنَّها … لم تجتمع والهم في موضع
فقال: بل أشرب خيرًا منها، وأدعو للنهي عنها. ثم أتى بركة، فغب في مائها، وأرى وجهه خيال قمره في سمائها، فقال (٥): [من الكامل]
أفدي الذي أهوى بفيه شاربًا … مسن بركة راقت وطابت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله … (فأرتني القمرين في وقت معا) (٦)
(١) البيتان في ديوانه ٣٣.
(٢) البيتان في ديوانه ٣٣ - ٣٤.
(٣) التضمين صدر بيت للشاعر كثير عزة، وعجزه:
لعزة من أغراضنا ما استحلت
ديوان كثير عزة ١٠٠.
(٤) البيتان في ديوانه ٥٧.
(٥) البيتان في ديوانه ٥٦.
(٦) تضمين لعجز بيت للمتنبي صدره:
«واستقبلت قمر السماء بوجهها»
«ديوانه ١١٧».