للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ينفض، والثلج قد نثر كافوره، والجليد قد كسر بلوره، والسحائب قد أضحت ذيولها مجرورة، والبرقُ قد تلوّن طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة، وأواني الزجاج قد شفت من وراء مُدامها، والدنان قد فُكَ عنها ختام فدامها، ورجال الرّاح قد رادت في إقدامها، والساقي بعذارٍ كأَنَّما كُتِبَ بالريحان، أو سيج بالزُّمرُّدِ بنتَ الحان، وتحت عذاره خيلان قد خبّأت مسكها فزاد تضوُّعًا، وكَثُرَ طيبه تنوعًا. قد بارَحَ نشرها وفاح، وعلم بنقطها في خده أنه قد تم وصف التفاح. فلما دخل عليه في بِكْرَةِ ذلك اليوم الأغر، ورأى الدنيا الضاحكة تَفْتَرّ، أَنشده (١): [من الكامل]

يا أيها الملك الذي بسطت له … بالجود كف دهرها لم تُقبض

دنياك مذ وعَدَتْ بأَنَّكَ لم تزل … في نعمة وسعادة لا تنقضي

كان الدليل على وفاها أنَّها … أضحت تقابلنا بوجه أبيض

فقال له: ما لهذا طلبتك، ولا لأجله خبّأتك، لكن انظر إلى شامات هذا الساقي تحت عذاره، وقل في أسِّهِ وعذاره. فلم يقل إيهًا، حتى قال بديها (٢): [من الكامل]

ومهفهف خيلانه وعذاره … قد جاوزا حَدَّ الجمال فأفرطا

فكأنما كتب العذار بخطّهِ … سطرًا بحبّات القلوب ونقطا

فأجزل له الصلة، وإن لم تكن عوائده منفصلة.

وحكي أنه طلبه في أخريات عصرِ غَرَبت شمسه، وكاد يتساوى يومه وأمسه. وبثَّ الرُّسُلَ في طلبه من كل صوب، وتوقَّع أَوْبَتَهُ من كل أَوْب، إلى أن توقد في فحم الدُّجَى جمر الشفق، وأهزلوا الجوزاء وخفق. فلم يوجد في ناحية، ولا رئي في عشية ولا ضاحية. فلما انشق جيب الظلام، واشتعل في المشرقِ وثيب الضرام، أُلفي في بستان نائي المكان، نائي السكان. قد خَلًا فيه بنفسه منفردًا، وبقي فيه فردًا مثل السيف مجرّدًا. فأخبر بحاله، وأحضر إليه على حاله، فأمر أن يُسقَى مُداما، ثم أوسعه ملاما، فقال (٣): [من الكامل]

مَنْ كان يرغب في حياةِ فؤادِهِ … وصفائِهِ فلينًا عن هذا الورى

فالماء يصفو ما نأى فإذا دَنَا … منهم تغير لونه وتكدرا

وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته، وقتيلُ المَحْلِ قد أُدِّيَتْ دِيَتُه، حتى خيَّم


(١) القطعة في ديوانه ٥٣.
(٢) البيتان في ديوانه ٥٤.
(٣) البيتان في ديوانه ٣٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>