للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

متقدم حتى إذا النقع انجلى … بالبيض عن سبي الحريم تأخرا

يا أيها الملك الذي ما في فضا … تلوده ومحتده ممرا

أشكو إليك نوى تمادى عمرها … حتى حسبت اليوم منها أشهرا

لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى … يعفو ولا جفني يصافحه الكرى

ومن العجائب أن تفيا ظلكم … كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا

ثم كانت له من الملك المعظم عيسى، حين أفضى إليه ملكها، ومكانة أشرقت علاه، وأشرقت بنداه. وكان لا يفارقه حيث شار وخيم، ولا يتجهم له وجهه حيث تقشع أو غيم. وولاه بدمشق وظيفة نظر الديوان، فباشرها حتى استقلال، وهدأ شيطانه وقال، وحرس إلا ما أضحك به الملك المعظم فقال.

وكان يعجب بنوادره، ويعجل إيماء الطرف ببوادره، ويقترح عليه في خواص مجلسه، ليخرج بينهم تلك الدفائن، ويغرق في بحره الأجاج تلك السفائن، إلا من ركب ذلك البحر على خطر، أو وقف في طريقه ليقع منهم في حفر.

ولما كان في العراق، حضر مجلس الإمام الرازي، في يوم ذيول السحب عليه مكفوفة، وعين الشمس به مطروفة، والثلج قد بث في الجو سرايا نوره، وبعث من الأفق تحايا كافوره. وأري ماء ككل غدير في إناء بلوره. فسقطت لديه حمامة لزربها كما يستجير الخائف، ووقعت عليه، فقام ابن عنين، وقال (١): [من الكامل]

يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا … في كل مخمصة إذا شتوا ثلج خاشف

العاصمين إذا النفوس تطايرت … بين الصوارم والوشيج الراعف

من نبا الورقاء أن محلكم … حرم وأنكم ملجا للخائف

وفدت عليك وقد تدانى حتفها … فحياتها ببقائها المستأنف

لو أنها تحيا بمال لأنشنت … من راحتيك بنائل متضاعف

جاءت سليمان الزمان حمامة … والموت يلمع في جناحي خاطف

فرمى لواء الجوع ثم أعاده … من دونها يهوي بقلب واجف

فقال له الإمام: أنت ابن عنين الدمشقي - ولم يكن يعرفه من قبل - فقال: أنا هو. فأدنى من مجلسه، وأسنى له خالص وده وأنفسه.

ولم يبق من أهل المجلس إلا من كتب شعره، ورواه، ثم كان لا يؤثر إلا هواه.


(١) من قطعة قوامها ٧ أبيات في ديوانه ٩٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>