للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هجاء أو مدح وتصدَّى لأهل دمشق تصدّيًا، أدوى قلوب الجميع، وأرى أُذُنَ كلّ سميع، فقاموا لمقاومة سُمِّه، ومقاحَمَةِ تَمِّه، فآلَ به الحال إلى الهجاج، واختراق الفجاج، فتغلغل في البلاد، ومني بالبعد عن موضع الميلاد. وطاف الحجاز، واليمن، والهند، والسند، وما وراء النهر، وخراسان، وبلاد العجم، والعراق، مُذَبْذَبا في مهامهها الفساح راكبًا على كَفَلِ الليل وهادي الصباح.

وكان على بعد الديار لا ييأس من روح الاقتراب على طول الاغتراب. ومع هذا، لا تنجلي عن أهل دمشق غيابته، ولا تنجلي غوايته، بل يُصَبُّ عليهم وبله، ويصيب فيهم نبله، ومن ذلك قوله (١): [من الكامل]

فعلى م أبعدتمْ أخَائِقَةٍ … لم يجترم ذنبًا ولا سَرقا

انْفُوا المؤذن من بلادكُمُ … إن كان ينفى كلَّ مَنْ صَدَقا

على أنه ما ذكر دمشق إلا ضاقت ضلوعه بزفراتها، وفاضت عيونه بعبراتها.

وله من هذا أشعار لم يقصَّ لها جناح، ولم يقصر بها ارتياح.

ثمَّ إنَّه ما سكن له قلق، ولا سُلِبَ عن جفنه أرق، حتى أُزيلت عن العود إليها موانعه، وأزيحت أسباب من كان لا يصانعه. ثم لما استقرت به الدار، وبها لم يدع أهلها من بوائقه، ولم يعد إلا وقد أذنت بقدومه جعجعة صواعقه. ومنها قوله (٢): [من المتقارب]

هجوت الأكابر في جلّقٍ … ورعتُ الرفيع بسب الوضيع

وأُخرجت منها ولكنَّنِي … رجعتُ على رغم أنف الجميع

ومما استعطف به هذه النائبة، حتى لانَ له قَلْبُها القاسي، وخفَّ عليه حبلها الراسي، قصيدة كتبها إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب، منها (٣): [من الكامل]

ما في أبي بكر لمعتقدِ الهُدَى … شكٌّ يُريب بأنه خير الورى

بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثريا والثرى

يعفو عن الذَّنبِ العظيم تكرّمًا … ويصدُّ عن قول الخَنَا متكبرا

وله البنون بكل أرضِ منهُمُ … مَلِكٌ يقود إلى الأعادي عسكرا

من كل وضاح الجبين تخالُه … بدرًا، فإن شَهِدَ الوَغَى فَغَضَنْفَرا

يعشو إلى نار الوغى شَغَفًا بها … ويَجلُّ أن يعشو إلى نار القرى


(١) البيتان في ديوانه ٩٤.
(٢) البيتان في ديوانه ٩٤.
(٣) من قصيدة قوامها ٥٧ بيتًا في ديوانه ٦ - ٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>