للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ط: "يَعْنُونَ بِحَدِّ الزَّمَانَيْنِ: الْحَاضِرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي صِناعَةِ الْكَلَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ فِعْلٌ وَلَا حَرَكَةٌ عَلَى التَّمَامِ لِأَنَّهُ يَنْقَضِي أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ شَبَّهُوهُ بِالْمَاءِ السَّيَّالِ الذِي يَذْهَبُ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ. فَإِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْجِيمِ مِنْ "جَعْفَرٍ" لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَجِيءَ الزَّمَانُ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْفَاءُ وَالرَّاءُ، بَلْ يَذْهَبُ كُلُّ زَمَانٍ مِنْهَا وَيَعْقُبُهُ الْآخَرُ، فَلَا يَرِدُ الثَّانِي إِلَّا وَالْأَوَّلُ قَدْ صَارَ مَاضِيًا.

وَلِهَذَا جَعَلُوهُ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ، التِي لَا بُعْدَ لَهَا، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا الْمَوْجُودُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَا وُجُودَ لَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ قِصَرَ مُدَّتِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَوْ لَمْ يُوْجَدْ زَمَانٌ حَاضِرٌ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودًا؛ لأنَّ وُجُودَ الأَشْيَاءِ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ الزَّمَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْأَجْرَامِ فِي غَيْرِ زَمَانٍ" (١).

وَأَمَّا الْمَجَازُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْجُمْهُورُ فِي صِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ "الآنِ" الَّذِي هُوَ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ "آنًا"، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: "هُوَ خَارِجٌ الآنَ"، وَالَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ وَالْحَرَكَاتُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.

وَأَمَّا اشْتِقَاقُ الْآنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ آنَ الشَّيْءُ، يَئِنُ، إِذَا حَانَ، فَالْأَلِفُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَادٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ ذَوَاتِ اليَاءِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَالثَّانِي: أَن أَصْلَهُ: أَوَانٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْهُ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قُلِبَتِ الْوَاوُ


(١) الاقتضاب: ١/ ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>