للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا بِمَذَاهِبِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ بِثَلْبِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ" (١).

ع: وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا أَلَّفَ كِتَابَ "الْمَعَارِفِ" أُنْكِرَ عَلَيْهِ فِيهِ أَشْيَاءٌ نَسَبَهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَبُدِّعَ بِذَلِكَ. فَقَالَ هَذَا الْكَلَامَ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ مَا رُمِيَ بِهِ.

وأراد بالجَوْهَرِ هُنَا: الْجِسْمَ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ، القَابِلَ لِهَذِهِ الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ في الأَلْوَانِ والقِيَامِ والقُعُودِ في الحَرَكَاتِ، والحَرَارَةِ وَالبُرُودَةِ فِي الْمَلْمُوسَاتِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَعَاقِبَةٌ عَلَيْهِ بِالْاسْتِحَالَةِ مِن غَيْرِ أن يَفْسُدَ وَيَبْطُلَ؛ لأن الجوهرَ لَا ضِدَّ لَهُ، إِنَّما التَّضَادُّ فِي الْأَعْرَاضِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِبَةِ فِيهِ. فَالْعَشْرُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَ فِيهَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ إِلَّا الْجَوْهَرُ وَحْدَهُ، وسائِرُهَا التِّسْعُ مَحْمُولَاتٌ فِيهِ وَأَعْرَاضٌ لَهُ، كَالْكَميَّةِ فِي مَقَادِيرِهِ، مثل: الطولِ، والعَرْضِ، والعُمْقِ، وَكَالْكَيْفِيَّةِ في هَيْأَتِهِ: كالبَياضِ، والسَّوَادِ، وَكَالْإِضَافَةِ فِي النِّسْبَةِ بين شَيْئَيْنِ: كَالْأَبِ وَالابْنِ، وَكَالْمَتَى فِي الزَّمَانِ، وَكَالْأَيْنَ فِي المَكَانِ، وكالوَضْعِ فِي هَيْأَةِ تَمَكُّنِهِ فِي مَكَانِهِ، كالقَائِمِ والنَّائِمِ، وكَجِدَتِهِ وَمَلَكَتِهِ، كَذِي مَالٍ وذِي فِعْلٍ، وكالفَاعِلِ: كَضَارِبٍ، وَكَالْمَفْعُولِ: كَمَضْرُوبٍ.

وقوله: "وَرَأْسُ الْخَطِّ النُّقْطَةُ، وَالنُّقْطَةُ لَا تَنْقَسِمُ" (٢):

ط: "النُّقْطَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ نِهَايَةِ الْخَطِّ، وَمُنْقَطَعِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَنْقَسِمَ لِأَنَّ الْانْقِسَامَ إِنَّمَا لِمَا لَهُ أَبْعَادٌ. والنُّقْطَةُ عَارِيَةٌ عَنِ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ.

وَمَنْزِلَةُ النُّقْطَةِ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ مَنْزِلَةُ الْوَحْدَةِ فِي صِنَاعَةِ الْعَدَدِ، فَكَمَا أَنَّ الْوَحْدَةَ لَيْسَتْ عَدَدًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْعَدَدِ، كَذَلِكَ النُّقْطَةُ لَيْسَتْ بُعْدًا وَلَا عُظْمًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْأَبْعَادِ وَالْأَعْظَامِ وَعِلَّةٌ لِوُجُودِهَا، وَهَذِهِ النُّقْطَةُ تَفْرِضُ


(١) الاقتضاب: ١/ ٥٦.
(٢) أدب الكتاب: ٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>