للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الأصوليين، أن لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام، ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضٍ يدلّ على وقوعه مرةً، فإن دلّ دليل على التكرار عُمِل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها.

وقد قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: "كنت أطيّب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لحلّه، قبل أن يطوف"، ومعلوم أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحجَّ بعد أن صحبته عائشة -رضي اللَّه عنها- إلا حجةً واحدةً، وهي حجة الوداع، فاستعمَلَت "كان" في مرة واحدة.

ولا يقال: لعلها طيّبته في إحرامه بعمرة؛ لأنَّ المعتمر لا يَحِلّ له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت أنها استعملت "كان" في مرة واحدة، كما قاله الأصوليون.

وإنما تأولنا حديث الركعتين جالسًا؛ لأنَّ الروايات المشهورة في "الصحيحين" وغيرهما عن عائشة -رضي اللَّه عنها- مع روايات خلائق من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في "الصحيحين" مصرِّحة بأن آخر صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- في الليل كان وترًا، وفي "الصحيحين" أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخر صلاة الليل وترًا.

منها: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، و"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، وغير ذلك، فكيف يُظَنّ به -صلى اللَّه عليه وسلم- مع هذه الأحاديث، وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر، ويجعلهما آخر صلاة الليل؟ وإنما معناه ما قدمناه من بيان الجواز، وهذا الجواب هو الصواب.

وأما ما أشار إليه القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ- من ترجيح الأحاديث المشهورة، ورَدّ رواية الركعتين جالسًا، فليس بصواب؛ لأنَّ الأحاديث إذا صحت، وأمكن الجمع بينها تَعَيَّن، وقد جمعنا بينها - وللَّه الحمد. انتهى كلام النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (١).

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، ولا سيّما ردّه على القاضي عياض في ردّه هذا الحديث، إلا أن ترجيحه كون "كان" لا تدلّ على الدوام والتكرار، فيه نظرٌ، بل الأرجح أنها للدوام والتكرار، ولا تخرج عن هذا إلا بقرينة، وهذه الأمثلة التي ذكرها، ومنها


(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢١ - ٢٢.