المعروف، قاله النوويّ (١)، وقال القرطبيّ:"الْجَرّ" جمع جرّة، وهي قلالُ فَخَّار، غير أنها مطليّة بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجرّ هو ما يُنبذ فيها من التمر وغيره، وإنما سألته عن حكم النبيذ في الجِرَار، هل يحلّ أم لا؟ فذكر لها ما يدلّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصّته، قال: وفيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى (٢).
وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حُلْوًا، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللبخاريّ في أواخر "المغازي" من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال:"قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد عبد القيس. . .".
فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له.
وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم ييلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديثٌ بُرَيدة بن الحصيب - رضي الله عنه - عند مسلم وغيره (٣).
(فَقَالَ) ابن عبّاس - رضي الله عنهما - (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوْا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ ")، الشك من أحد الرواة، إما أبو جمرة، أو من دونه، قال الحافظ: وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير شكّ، وأغرب الكرمانيّ، فقال: الشك من ابن عباس (٤)، و"الوفد": الوافدون، وهم القادمون، والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافدٌ، والجمع وافدون،