للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

قال القاضي عياض رحمه الله: معناه - والله أعلم - فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها، والمقام المحمود الذي ادّخره الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه، قال: وجاء في حديث أنس، وحديث أبي هريرة ابتداء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد سجوده وحمده، والإذن له في الشفاعة بقوله: "أمتي أمتي"، وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا في هذا الحديث نفسه: قال: فيأتون محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فيقوم، ويؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمرّ أولهم كالبرق، وساق الحديث، وبهذا يتصل الحديث؛ لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف، والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حَلّت الشفاعة في أمته - صلى الله عليه وسلم - وفي المذنبين، وحَلّت الشفاعة للأنبياء والملائكة، وغيرهم - صلوات الله وسلامه عليهم - كما جاء في الأحاديث الأُخَر، وجاء في الأحاديث المتقدّمة في الرؤية، وحشر الناس اتّباعُ كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف، وهو أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التي ذُكِر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولغيره كما نُصّ عليه في الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا تجتمع متون الحديث، وتترتب معانيها - إن شاء الله تعالى - هذا آخر كلام القاضي، والله تعالى أعلم (١).

وتعقّب في "الفتح" قول عياض: "فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها"، بأن ظاهر ما تقدم أن استئذانه الأول، والإذن له إنما هو في دخول الدار، وهي الجنة، وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف، ومنه: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} الآية [يونس: ٢٥] على القول بأن المراد بالسلام هنا: الاسم العظيم، وهو من أسماء الله تعالى.

قيل: الحكمة في انتقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكانه إلى دار السلام أن أرض الموقف لَمّا كانت مقام عرض وحساب، كانت مكان مخافة وإشفاق، ومقام


(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٨٦٥ - ٨٦٧.