للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

من حديث ابن عباس: "إني اتُّخِذتُ إلهًا من دون الله"، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد: "وإن يَغْفِر لي اليومَ حسبي" (١). (وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) وفي رواية معتمر عند ابن خزيمة: "انطلقوا إلى مَن جاء اليوم مغفورًا له، ليس عليه ذنبٌ"، وفي رواية ثابت أيضًا: "خاتم النبيين قد حَضَرَ اليوم، أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد خُتِم عليه، أكان يُقْدَر على ما في الوعاء حتى يُفَضّ الخاتم؟ "، وعند سعيد بن منصور من هذا الوجه: "فيرجعون إلى آدم، فيقول أرأيتم … إلخ"، وفي حديث أبي بكر: "ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم، فإنه أول مَن تَنْشَقّ عنه الأرض".

[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه اللهُ: اختلفوا في تأويل قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ٢]، فقيل: المتقدم ما قبل النبوة، والمتأخر العصمة بعدها، وقيل: ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل: المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته، وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع ذلك.

قال الحافظ: واللائق بهذا المقام القول الرابع، وأما الثالث فلا يتأتى هنا.

ويستفاد من قول عيسى عليه السلام في حق نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - هذا، ومن قول موسى عليه السلام فيما تقدم: "إني قتلت نفسًا بغير نفس، وإن يَغْفِر لي اليوم حسبي"، مع أن الله قد غَفَر له بنص القرآن التفرقة بين مَن وقع منه شيء، ومن لم يقع شيء أصلًا، فإن موسى عليه السلام مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك، ورأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشفاعة، مع وجود ما صَدَر منه بخلاف نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كله، ومن ثَمَّ احتَجَّ عيسى بأنه صاحب الشفاعة؛ لأنه قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى أن الله أَخْبَر أنه لا يؤاخذه بذنب لو وقع منه، وهذا من النفائس التي فتح الله بها في "فتح الباري"، فله الحمد. انتهى كلام الحافظ رحمه اللهُ.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الحافظ رحمه اللهُ من أن المراد أنه


(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٤٤٢ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٦٥).