أخرجوهما، فقال: لأي شيء اشتد صياحكما؟ فقالا: فعلنا ذلك لترحمنا، فقال: رحمتي لكما أن تنطلقا، فتلقيا أنفسكما في النار، فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردًا وسلامًا، ويقوم الآخر فلا يلقي، فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك، كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجو أنك لا تعيدني فيها بعد أن أخرجتني منها، فيقول: لك رجاؤك، فيدخلان جميعًا الجنة برحمة الله".
وأقول: هذا كما تراه في إخراج العصاة من الموحدين، فإنه لا يقول ابن تيمية أن يخرج الكفار من النار كما يقول غيره.
ثم ساق حديثًا ثالثًا مثل هذا الحديث، ليس من محل النزاع.
ثم تعرض لأدلة القائلين بعدم فناء النار (١)، فقال: لهم ست طرق:
أحدها: الإجماع على عدم فنائها، قال: والإجماع غير معلوم، إنما يظنه في هذه المسألة من لم يعرف النزاع فيها، وقد عرفت النزاع قديمًا وحديثًا، قال: ولو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم أنه قال: النار لا تفنى لم يجد إلى ذلك سبيلًا، ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك، فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك.
وأقول: قد عرفت أنه نقل عن ستة من الصحابة عبارات لا تدل على مدعاه، وهو فناء النار بنوع من الدلالات، كما أوضحناه، ولا يصح نسبته لتلك الدعوى إلى واحد من أولئك الستة، فلم يوجد لأحد مما وجدنا عن واحد من الصحابة أنه يقول بفناء النار، كما أنه لا يوجد قائل من الصحابة أنه يقول بعدم فناء النار، فإن هذه المسألة وهي فناء النار، لا تُعرف في عصر الصحابة، ولا دارت بينهم، فليس نفي، ولا إثبات، بل الذي عرفوه فيها هو ما في الكتاب والسُّنَّة من خلود أهل النار أبدًا، وأن أهلها ليسوا منها بمخرجين، وعرفوا ما ثبت من خروج عصاة الموحدين.
إذا عرفت هذا عرفت أن دعوى فناء النار، أو عدم فنائها قول للصحابة
(١) في (فصل: والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق. . .) فذكرها وأطال النفس في ذلك ٢/ ١٨١ - ١٨٩. وليس فيه ذكر لابن تيمية أيضًا، ولا له ذكر في المخطوطة.