فَنِيَت، وهم فيها، والرابع الذي مات في الفترة مخاطَب بشرع من قبله بنص قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}[فاطر: ٢٤]، والحديث لم يذكره شيخ الإسلام بتمامه، وهو حديث مشكل (١)، ولا حاجة لنا إلى الكلام عليه بعد بيان أنه ليس من محل النزاع.
ثم استدل شيخ الإسلام بحديث رواه ابن المبارك، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن رجلين (٢) دخلا النار، واشتد صياحهما، فقال الرب -جلّ جَلاله-:
(١) (*) قلت: لم يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية {إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: ٢٤] وبين قوله الذي مات في الفترة: "ما أتاني من نذير". فإن كان هذا هو المشكل فلا إشكال عندي، لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة، بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة. حتى في هذه الأمة المحمدية فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ لا سيما قبل عصرنا هذا الذي تيسّرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره. ولكن أين المبلغون للدعوة إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبِلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق التي نزلت على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين أنفسهم، حين انحرف الكثيرون منهم عنها، بل وحاربوها. هذا أولًا. وثانيًا: فإن قول المؤلف: إن الذي مات في الفترة مخاطَب بشرع من قبله .. لا يدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ} [فاطر: ٢٤]؛ لأن المعنى: "ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها" كما قال الشوكاني في "فتح القدير". وأما أنها تدل على أن من مات فيها نذير من الأنبياء ينذرها كما قال الشوكاني في "فتح القدير": شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد، بل لا بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة". رواه الشيخان وهو مخرَّج في "الإرواء" (٢٨٥). الألباني -رَحِمَهُ اللهُ-. (٢) قلت: الأصل: "وفيه رجلين" وهو خطأ صححته وغيره من الترمذي (٢٦٠٢)، وأخرجه من طريق ابن المبارك وقال: "إسناده ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد عن ابن أنعم الإفريقي، وهما ضعيفان عند أهل الحديث". ثم إنه لم يستدل به ابن تيمية وإنما تلميذه ابن القيم، فإنه أورده في الفصل السابق الذكر، وقد عرفت قولنا فيه فتنبه. الألبانيّ -رَحِمَهُ اللهُ-.