بالآية متأخر، وهو المراد من الحديثين، ولا ينافيه مجرد الرضى اللازم لأهل الجنة، فلا يَرِد اعتراض صاحب "الإتحاف" عليه، وأما قوله: والهموم والغموم لازمة لأهل النار، فقد أشار إلى جوابه المحقق أبو السعود، فقال: ولك أن تقول: إنهم ليسوا مخلدين في العذاب الذي هو عذاب النار، بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-، وهو العقوبات، والآلام الروحانية التي لا يقف عليها في الدنيا المنغمسون في أحكام الطبيعة المقصود إدراكهم ما ألفوا به من الأحوال الجسمانية، وليس لهم استعداد لتلقي ما وراء ذلك من الأحوال الروحانية، وهذه العقوبات، وإن كانت تعتريهم، وهم في النار، لكنهم ينسون بها عذاب النار، ولا يحسونها، وهذا كاف في تحقيق معنى الاستثناء. انتهى كلامه (١).
وهذا وجه حَسَن مُحْتَمِل، على أنه الذي أراد صاحب "الكشاف"، ويندفع به اعتراض صاحب "الإتحاف".
هذا: وفي "الكشف على الكشاف" ما لفظه (٢):
هذا في أهل النار ظاهر؛ لأنهم يُنقلون من حر النار إلى برد الزمهرير، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد؛ لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبًا، أما دعوى الغلبة حتى هُجِر الأصل فلا، ألا ترى إلى قوله:{نَارًا تَلَظَّى}[الليل: ١٤] وقوله: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[البقرة: ٢٤، والتحريم: ٦] وكم، وكم.
وأما رضوان الله عن أهل الجنة، وهم فيها فيأبى الاستثناء، كيف،
(١) في كتاب تفسيره المعروف بـ"إرشاد العقل السليم" سورة (هود) (٣/ ٦٩ - دار العصور). (٢) لم أدرِ لمن هو، وقد ذكر كاتب جلبي في ترجمته "الكشاف" عديدًا من الكتب التي ألِّفَت حوله ليس فيها شيء بهذا الاسم أقربها إلى هذا، كتاب: "الكشف عن مشكلات الكشاف" للعلامة عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني المتوفى سنة (٧٤٥) وهو حاشية على "الكشاف"، منه نسخة في مخطوطة في ظاهرية دمشق، وأخرى في مكتبة الرباط في المغرب. وذكر أيضًا "الكشاف على الكشاف" لشيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني في ثلاثة مجلدات توفي سنة (٨٠٥).