والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ في "الأسماء والصفات" من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".
وأخرج ابن أبي حاتم عن [أبي](١) عبد الملك الجهنيّ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رضوان الله على أهل الجنة نعيمهم بما في الجنان"(٢).
وهذا دالّ على أن رضوان الله تعالى هذا متأخر عن دخول أهل الجنة (٣). والآية التي ساقها في "الكشاف" دالة على ذلك أيضًا، فإنه جعل رضوانه تعالى الأكبر قسمًا للجنات، ولعله يقال: إن هذا الرضوان الذي يبشرهم به الرب، ويخاطبهم به الموصوف بأنه لا يسخط بعده أبدًا متأخر، وهو المراد من الآية والحديثين، ومجرد الرضى حاصل لهم من أول الأمر، كما يدل له قوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)} [الفجر: ٢٧ - ٣٠] فإنه دال على الرضى من أول الأمر قبل دخول الجنة، ويَحْتَمِل أنه خاصّ بصاحب هذه النفس المطمئنة.
والحاصل: أن هذا الرضى الذي أراده صاحب "الكشاف"، واستدلّ عليه
(١) سقطت من الأصل واستدركتها من "الدر"، ولم أعرف أبا عبد الملك هذا أو عبد الملك، ولم يورده الدولابي في "الكنى". الألبانيّ -رَحِمَهُ اللهُ-. (٢) كذا وقع هذا الحديث في الأصل، وأنا أظن أنه نقله من "الدر"، وكأنه اختصره فإن لفظه فيه: "لنعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بما في الجنان". الألبانيّ. (٣) قلت: ويؤيده حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ فيقول: رضواني أكبر"، وإسناده صحيح. أخرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما كما تراه مبيّنًا في "الصحيحة" (١٣٣٦)، وعزاه ابن كثير للمحاملي والبزار وقال: قال الضياء المقدسي في "صفة الجنة": "هذا عندي على شرط الصحيح". الألبانيّ -رَحِمَهُ اللهُ-.