فضلته عليّ، لِمَ كرمته عليّ وفضلته وأنا خير منه، لكونك خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف جميع ذلك، لأن في الكلام دليلًا عليه.
ثم ابتدأ فقال:{لَئِنْ أَخَّرْتَنِ. . .} الآية، واللام موطئة للقسم المحذوف، والجواب {لَأَحْتَنِكَنَّ}، أي: لإن أخرت موتي وأبقيتني إلى يوم القيامة، واللهِ لأستأصلن ذريته إلا قليلًا منهم، أي: لأهلكنهم بالإِغواء، من احتنك الجراد الزرع، إذا استأصله كله. وقيل: هو من حَنَكَ دَابَّتَهُ، إذا شد حبلًا في حنكها الأسفل يقودها به، على: لأقتادنهم كيف شئت (١).
و{قَلِيلًا}: نصب على الاستثناء. وهم الذين عصمهم الله واصطفاهم لدينه:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}(٢).
قوله عز وجل:{فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي: جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلّب المخاطب على الغائب.
وقوله:{جَزَاءً} منصوب على المصدر بما في {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} من معنى تجزون، أو بإضمار تجزون، وقد جوز أن يكون منصوبًا على الحال لكونه موصوفًا بالموفور، والموفور: المُوَفَّرُ، أي: مُتَمَّمًا مُكَمَّلًا، يقال: وَفَرْتُ الشيء وَوَفَّرْتُهُ أفِرُهُ، إذا كملته وفرًا فهو موفور، ووَفَرَ الشيءُ بنفسه وُفُورًا، إذا تَمَّ، يتعدى ولا يتعدى، ولهذا قال بعضهم: موفورًا بمعنى وافر (٣)، كقوله:{مَأْتِيًّا}(٤) أي: آتيًا. وقيل: منصوب على التمييز،
(١) كونه من حنك الدابة هو قول ابن السكيت. انظر تهذيب الإصلاح / ١٩٠/. والمشوف المعلم ١/ ٢١٨. وحكاه عنه النحاس في المعاني ٤/ ١٧١. وكونه بمعنى الاستئصال: هو قول أبي عبيدة ١/ ٣٨٤. وقال الفراء ٢/ ١٢٧: معناه لأستولين عليهن. وهذا الأخير هو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - كما في إعراب النحاس ٢/ ٢٥٠. (٢) سورة الحجر، الآية: ٤٢. (٣) هذا قول مجاهد كما أخرجه الطبري ١٥/ ١١٧. (٤) سورة مريم، الآية: ٦١.