وجعل النور له، وذكرُنا كمن مثله في الظلمات مِثْلُ تزييننا للكافرين عملَهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين. وقد ذكر نظيره في غير موضع.
قوله عز وجل:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} عطف عليه (١)، وحكمه في الإِعراب حكمه، وجعل هنا بمعنى صيّر، ومفعولاه:{فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} قُدِّمَ ثانيهما على الأول وهو {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} لأجل الضمير المجرور العائد إلى القرية في قوله: {مُجْرِمِيهَا}، كما قُدِّم {إِبْرَاهِيمَ} في قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ}(٢) لأجل الذكر العائد إليه.
ولا يجوز أن يكون {مُجْرِمِيهَا} المفعول الأول و {أَكَابِرَ} الثاني كما زعم بعضهم (٣)؛ لأن أفعل الذي مؤنثه فُعلى إذا انفصل مِن {مَنْ} لم يستعمل إلّا بالألف واللام، أو الإِضافة، كما أن مؤنثه كذلك، ولذلك خُطِّئ أبو نواس (٤) في قوله:
٢١٢ - كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فواقِعِها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ مِنَ الذَّهبِ (٥)
(١) يعني على (كذلك) من الآية السابقة. (٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٤. (٣) هو مكي في المشكل ١/ ٢٨٧. وتبعه ابن عطية في المحرر ٦/ ١٤٣. (٤) الشاعر العباسي المشهور بمجونه، الحسن بن هانئ، قال ابن قتيبة: كان متفننًا في العلم، قد ضرب في كل نوع منه بنصيب، وله أبيات كَفَرَ بها. توفي سنة تسع وتسعين ومائة. (الشعر والشعراء). (٥) البيت في وصف الخمر. ويروى: (فقاقعها). والفواقع: جمع فاقعة، وهي النفاخات التي تكون على وجه الماء. وفقاقع جمع فقاعة. قال البغدادي: وصف الخمر وما يعلوها من الحباب، فشبه الحباب بالدر، وهو اللؤلؤ الكبير، والخمرة التي تحته بأرض من ذهب. وانظر هذا البيت في المفصل/ ٢٨١/ وشرحه ٦/ ١٠٢، ومغني اللبيب شاهد (٧٠٦)، وشرح الأشموني ٣/ ٤٨، وخزانة الأدب ٨/ ٣١٥.