للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأتَ التَّوْبَةَ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّعْمَةِ، ولَمْ يُؤْيِبْكَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَسُدَّ عَلَيْكَ بَابَ التَّوْبَةِ، وَجَعَلَ تَوْبَتَكَ النُّزُوعَ عَن الذَّنْبِ، وَجَعَلَ سَيَّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَجَعَلَ حَسَنَتَكَ عَشْرًا، إِذَا نَادَيْتَهُ أَجَابَكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فأَفْضَيْتَ إِلَيْه بِحَاجَتِكَ وَأَبْثَثْتَهُ (١) ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أَمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ الَّتِى لَا يَقْدرُ عَلَى إِعْطَائِهَا غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسعَةِ الرِّزْقِ، وَتَمَامِ النَّعْمَةِ، فَأَلْحِحْ فِى الْمَسْأَلَةِ، فَبِالدُّعَاءِ تَفْتَحُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَلَا يُقنِّطْكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ العَطَيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، فَرُبَّمَا أُخِّرَتِ الإِجَابَةُ لِتَطُولَ مَسْأَلَةُ السَّائِلِ فَيَعْظُمَ أَجْرُهُ، وَيُعْطَى سُؤْلَهُ وَرُبَّمَا ادُّخِر ذَلِكَ لَهُ لِلآخِرَةِ فَيُعْطَى أَجْرَ تَعَبُّدِهِ، وَلَا يَفْعَلُ بِعَبْدِهِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ فِى الْعَاجلَةِ وَالآجِلَةِ، ولَكِنْ لَا يَجِدُ لُطْفَهُ أَحَدٌ، وَلَا يَعْرِفُ دَقَائِقَ تَدْبِيرِهِ إِلَّا المُصْطَفَوْنَ، وَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ لِمَا يَبْقَى وَيَدُومُ فِى صَلَاحِ دُنْيَاكَ وَتَسْهِيلِ أَمْرِكَ وَشُمُولِ عَافيَتِكَ، فإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، اعْلَمُ، أىْ بُنىَّ، أَنَّكَ خُلِقْتَ لِلآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَأَنَّكَ فِى مَنْزِلِ قُلْعَةٍ (٢) وَدَارِ بُلْغَةٍ، وَطَرِيقِ الآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدَةُ الْمَوْتِ الَّذِى لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَلَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ، فَاحْذَرْ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيَّئَةٍ، وَأَعْمَالٍ مُرْدِيَةٍ فَتَقَعَ فِى نَدَامَةِ الأَبَدِ، وَحَسْرَةٍ لَا تَنْفَدُ، فَتَفْقِدَ دِينَكَ لِنْفسِكَ، فَدِينُكَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ وَلَا يُنْقِذُك غَيْرُهُ، أَىْ بُنَىَّ: أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَذِكْرَ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَتُفْضِى بَعْدَ المَوْتِ إِلَيْهِ، وَاجْعَلْهُ نُصْبَ عَيْنِكَ حَتَّى يَأتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ لَهُ حِذْرَكَ، وَلَا يَأتِيكَ بَغْتةً فَيُبْهِرَكَ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الآخرَةِ وَذِكْرَ نَعيمِهَا وَحُبُورِهَا وَسُرُورِهَا وَدَوَامِهَا وَكَثْرَةِ صُنُوفِ لَذَّاتِهَا وَقِلَّةِ آفَاتِهَا إِذَا سَلِمَتْ، وَفَكِّرْ فِى أَلْوَانِ عَذَابِهَا، وَشِدَّةِ غُمُومِهَا وَأَصْنَافِ نَطَالِهَا، إِنْ أَنْتَ تَيَقَّنْتَ، فإِنَّ ذَلِكَ يُزَهِّدكَ فِى الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُكَ فِى الآخِرَةِ، وَيُصَغِّرُ عِنْدَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَغُرُورَهَا وَزَهْوَتَهَا، فَقَدْ نبَّأَكَ الله عَنْهَا وَبَيَّنَ أَمْرَهَا وَكشَفَ عَنْ مَسَاوِئِهَا، فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِهَا إِلَيْهَا، وَتَكَالُبِهِمْ


(١) بَثَّ: في حديث أم زرع "زوجى لا أبث خبره" أى لا أنشره، وفيه أيضا "لا تبث حديثنا تبثيثا" ويروى (نتث) بالنون بمعناه.
(٢) قُلْعَةٍ: ومنه حديث على "أحذركم الدنيا فإنها منزل قُلْعَةٍ" أى تحول وارتحال.

<<  <  ج: ص:  >  >>