للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا نِعَمَهُ لِمَا وَفَّقَنَا مِنْ مَسْأَلَتِهِ، وَالإِجَابَةِ لَنَا، فإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، اعْلَمْ أَىْ بُنَىَّ: أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُنْبِئْ عَنِ الله - عَزَّ وَجَلَّ - كَمَا نَبَّأَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - فَارْضَ بِهِ رَائِدًا (١)، فَإِنِّى لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً، وَلَنْ تَبْلُغَ فِى ذَلِكَ وَإِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغِى فِى ذَلكَ لِعِنَايتى وطُولِ تَجْرِبَتِى، وَإِنَّ نَظَرِى لَكَ كَنَظَرِى لِنَفْسِى، اعْلَمْ أَنَّ الله وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ لَا يَضَادُّهُ فِى مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلاَ يَزُولُ وَلَمْ يَزَلْ، أَوَّلٌ قَبْلَ الأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ، وآخِرٌ بِلَا نِهَايَةٍ، حَكِيمٌ عَلِيمٌ، قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِى لِمِثْلِكَ فِى صِغَرِ خَطَرِهِ وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ، وَعَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى ربِّكَ، فَاسْتَعِنْ بِإِلَهِكَ فِى طَلَبِ حَاجَتِكَ، وَتَقَرَّب إِلَيْهِ بِطَاعَتِكَ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ بِقُدْرَتِهِ، وَارْهَبْ مِنْهُ لِرُبُوبِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ حَكِيمٌ لَمْ يَأمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ، وَلاَ يَنْهَاكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، وَأَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَه لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ أَقْلِلْ مِمَّا تَعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ، اعْلَمْ يَا بُنَىَّ؛ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وآفَةُ الأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِى كَدْحِكَ، وَلَا تَكُنْ خَازَنًا لِغَيْرِكَ، فَإِذَا هُدِيتَ لِقَصْدكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقًا ذَا مَشَقَّةٍ بَعيدَةٍ وَأَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ، وإِنَّكَ لَا غِنَى بِكَ عَنْ حُسْنِ الارْتِيَادِ، وَقَدِّرْ بَلَاغَكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خفَّةِ الظَّهْرِ، فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقَلُه وَبَالًا عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ وَيُوَافِيكَ بِهِ حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْه فَاغْتَنِمْهُ، واغْتَنِمْ مَا أَقْرَضْتَ مَن اسْتَقْرَضَكَ فِى حَالِ غِنَاكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُدًا مَهْبَطُهَا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قبْلَ نُزُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَلَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِى بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ في الدُّعَاءِ وَضَمِنَ الإِجَابَةَ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ فَيُعْطِيَكَ، وَتَطْلُبَ إِلَيْهِ فَيُرْضِيَكَ، وَهُوَ رَحِيمٌ لِمَ تَجْعَلُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجابًا، وَلَمْ يُلْجئْكَ إِلَى مَنْ تَشَّفَّعُ بِهِ إِلَيْه، وَلَمْ


(١) رائد: الرائد: الذى يرسل في طلب الكلأ.

<<  <  ج: ص:  >  >>