أَفْوَاهِهِمْ، وَمنَاخَرِهِم وآذانِهمْ، وأعْيُنِهِمْ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاَ لى: امْضِه! فَمَضيْتُ فإِذَا أَنَا بِنَارٍ مُطبَقَة مُوَكَّلٌ بِهَا مَلَكٌ لاَ يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْء إِلاَّ اتّبَعَهُ حَتَّى يُعِيدَهُ فيهَا، قُلْتُ: مَا هَذاَ؟ قَالاَ لِى: اِمْضِهْ! فَمَضَيْتُ، فَإِذا أَنَا بِرَوْضَة، وَإِذَا فيهَا شَيْخٌ جَمِيلٌ لاَ أَجْمَلَ منْهُ، وَإذَا حَوْلَهُ الْوِلْدانُ، وَإذَا شَجَرَةٌ وَرَقهُا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، فَصَعدْتُ مَا شَاءَ الله مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَإذَا أَنَا بِمَنَازِلَ لاَ أَحْسَنَ مِنْهَا مِنْ زمُرُّدَة جَوْفَاءَ، وَزَبرْجَدَة خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قُلتُ: مَا هَذاَ؟ قَالَ: امضهِ! فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بنَهْرٍ عَلَيْهِ جِسْرَان مِنْ ذَهَبٍ، وَفِضَّة عَلَى حَافَّتَىْ النَّهْرِ مَنَازل لا منازلَ أَحْسَنَ منْهَا مِنْ دُرَّة جَوْفاءَ، وَزَبَرْجَدَة خَضْراءَ، وَيَاقُوتَه حَمرَاء قِدْحَانُ، وَأَبَارِيقُ تَطَّرِدُ (*) قُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالاَ لِى: انْزِلْ! "فَنَزَلْتُ فَضَرَبْتُ بِيَدى إلىَ إِنَاءٍ مِنْهَا فَغرَفْتُ ثُمَّ شَرِبْتُ فَإذَا أَحلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَشَدُّ بَيَاضًا منَ اللَّبَنِ، وَأَلْينُ منَ الزُّبُدِ فَقَالاَ لى: أَمَّا صَاحبُ الصَّخْرَة الَّذى رَأَيْتَ يُضْرَبُ بِهَا هامةُ الآدَمِىِّ، فَيقعُ دِمَاغُهُ جَانِبًا، وتَقَعُ الصَّخرَةُ فِى جَانِب، فَأُوَلَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَنَامُونَ عَنْ صَلاَةِ الْعِشَاءَ الآخِرَة، وَيُصَلُّونَ الصَّلَواتَ لغَيْر مَوَاقِيتِهَا يُضْرَبُونَ بِهَا حَتَّى يَصِيروُا إِلىَ النَّار، وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَلُّوب الذى رَأَيْتَ مَلَكًا مُوَكَّلا بِيَده كَلُّوبٌ مِنْ حَديدٍ، تشُقُّ شِدْقَةُ الأَيْمَنَ حَتىَّ يَنْتهىَ إِلَى أُذُنِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ فِى الأَيْسَرِ فَيَلْتَئِم الأَيْمنُ، فَأُولَئِكَ الَّذَينَ كَانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ الْمُؤمِنِينَ بِالنَّمِيمَة، فَارْتعَدَتْ فَرَائِصى، وَرَجَف فُؤَادى، وَاضطَرَبَ كُلُّ عُضْو مِنَّى، وَلَمْ أَسَتَطِعْ أَنْ أُجِيببَ شَيْئًا فَأخَذَ أَحَدُ الْمَلَكَيْن يَدَهُ الْيمْنىَ، فَوَضعَها فِى يَدي وَأَخَذَ الآخَرُ يَدَهُ الْيمُنْىَ فَوَضَعهَا بَيْنَ كَتِفِىَّ، فَسَكَن ذَلِكَ مِنِّى، ثُمَّ نُوديتُ مِن فَوْقِى: يَا مْحَمَّدُ! سَلْ تُعْطَه، قُلْتُ: اللَّهُم إِنِّى أَسْأَلُكَ أَنْ تُثَبِّت شَفَاعَتِى، وَأَنْ تُلْحِقَ بِى أَهْلَ بِيْتى، وَأنْ أَلقَاكَ وَلاَ ذَنْبَ لِى، ثُمَّ دُلِّىَ بى. وَنَزَلَت عَلَيْه هَذِهِ الآيَةُ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر} إِلَى قَوْلِهِ: {مُسْتَقِيمًا} فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: فَكَمَا أُعْطِيتُ هَذَهِ كَذلَكَ أُعْطَانِيهاَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى".
(*) تَطَّردُ: تجرى، وفِى حديث الإسراء، " فإذا نهران يَطَّردَان أى: يجريان، وهما يفتعلان من الطرد. اه. نهاية.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute