ومرّ على البحر المظلم، فغشيهم منه غمام، فترجّع شمالا حتى انتهى إلى تمثال من حجر أحمر يومئ بيده: ارجعوا، وعلى صدره مزبور:«ما ورائي أحد».
فسار إلى مدينة النّحاس فلم يصل إليها، ومضى إلى الوادي المظلم، وكانوا (a) يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون أحدا لشدّة ظلمته.
وسار إلى وادي الرّمل، فرأى على معبره أصناما عليها أسماء الملوك، فأقام عليه صنما زبر عليه اسمه، فلمّا أثبت الرّمل جاز عليه إلى الخراب المتّصل بالبحر الأسود، فرأى سباعا يزأر بعضها على بعض، فحكم أنّه لا مذهب له من ورائها.
فرجع وعدّى وادي الرّمل، ومرّ بأرض العقارب، فهلك بعض أصحابه، ودفعوا عن أنفسهم أذاها بالرّقى، وجازها إلى مدينة الحكماء - وتعرف بمدينة الكند - ففرّوا منه إلى جبل، فأقام عليه أياما حتى كاد يهلك جيشه عطشا؛ فنزل إليه من الجبل رجل من أفاضل الحكماء، وقد لبس شعره جسده، فقال للملك: أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل، المرزوق فوق الكفاية؟ أتعبت نفسك وجيشك، ألا اجتزأت بما تملكه، واتّكلت على خالقك، وربحت الرّاحة، وتركت العناء والغرر بهذا الخلق؟ فعجب من قوله، وسأله عن الماء فدّله عليه. وسأله عن موضعهم، فقال: موضع لا يصل إليه أحد، ولا بلغه قبلك أحد؛ فقال: ما عيشك؟ قال: من أصول النّبات نقنع به، ويكفينا اليسير. قال: فمن أين تشربون؟ قال: من الأمطار والثّلوج.
قال: فلم هربتم منّا؟ قال: زهادة في مخالطتكم، وإلاّ فليس لنا ما نخافكم عليه؛ قال: فكيف بكم إذا حميت الشّمس؟ قال: نأوي إلى غيران تحت هذا الجبل؛ قال: فهل لكم في مال أخلّفه لكم؟ قال: إنّما يريد المال أهل التّرف، ونحن لا نستعمل منه شيئا، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به، وعندنا منه ما لو رأيته لاحتقرت ما عندك؛ قال: فأرنيه، فانطلق بنفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان ذهب ناتئة، وأراهم واديا لهم في حافتيه حجارة زبرجد وفيروز.
فأمر نهراوش أصحابه أن يحملوا من كبار تلك الحجارة، ففعلوا.
ورأى الحكيم جماعة الملك يصلّون إلى صنم يحملونه معهم، فسأل الملك ألاّ يقيم بأرضهم، وخوّفه من عبادة الأصنام؛ فودّعه وسار، فلم يمرّ بأمّة إلاّ أثّر فيها، حتى بلغ النّوبة فصالحهم على مال، وأقام على دنقلة صنما وزبر عيه اسمه ومسيره. وسار يريد مدينة منف، فكان أهل كلّ