للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فاتّصل بملوك/ النّواحي تشاغله بلذّته وتدبير أطفين. فسار ملك من العماليق - يقال له أبو قابوس عاكن بن بيجوم (a) - إلى مصر، ونزل على حدودها، فجهّز إليه العزيز جيشا عليه قائد يقال له بريانس، فأقام يحاربه ثلاث سنين، فظفر به العمليقي وقتله، وهدم الأعلام والمصانع، وقوي طمعه في البلد. فاجتمع الناس إلى قصر الملك واستغاثوا، فخرج إليهم، وعرض جيوشه، وخرج في ستّ مائة ألف مقاتل سوى الأتباع، فالتقوا من وراء الحوف، وكان بينهما قتال شديد، فانهزم العمليقي، وتبعه نهراوش إلى حدّ الشّام، وقتل خلقا من أصحابه، وأفسد زروعهم وأشجارهم، وحرّق وصلب، ونصب أعلاما على الأماكن التي وصلها، وزبر عليها:

«إنّي لمن يجاوز هذا المكان بالمرصاد».

وقيل إنّه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشّام خراجا، وبنى عند العريش مدينة لطيفة وشحنها بالرّجال. ورجع إلى مصر، فحشد من جميع الأعمال جنودا، واستعدّ لغزو ملك الغرب، وخرج في سبع مائة ألف، فمرّ بأرض البربر، وأجلى كثيرا منهم، وجهّز قائدا في السّفن من ناحية رقودة إلى جزائر بني يافث، فعاث فيها، وخرج من ناحية أرض البربر، فقتل وصالح بعضهم على مال حملوه إليه.

ومضى إلى إفريقيّة وقرطاجنّة، فصالحوه على مال، ومرّ حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر إلى بحر الرّوم - وهو موضع الأصنام النّحاس - فأقام هناك صنما زبر عليه اسمه وتاريخ خروجه، وضرب على أهل تلك النّواحي الخراج. وعدّى إلى الأرض الكبيرة، وسار إلى الأندلس، فحاربه ملكها أيّاما، ثم صالحه على مال، وأن يمنع من يغزو مصر من ناحيته. وانصرف على غير البحر مشرّقا في بلاد البربر، فلم يمرّ بأمّة إلاّ ودخلت في طاعته.

ومرّ في الجنوب فقتل خلقا، وبعث قائدا إلى مدينة على البحر الأسود، فخرج إليه ملكها، وذكر له حال الرّيّان ومصالحة الملوك له، فقال: ما بلّغنا أحد قط. وسأله القائد عن البحر: هل ركبه أحد قط؟ فقال: ما يقدر أحد على ركوبه، وربّما أظلّه غمام فلا يرى أياما؛ وقدم الرّيّان، فحملوا الهدايا إليه، فاكهة أكثرها الموز، وحجارة سوداء إذا جعلت في الماء صارت بيضاء. ثم سار الملك على أمم السّودان إلى مملكة الدّمدم الذين يأكلون النّاس، فخرجوا إليه عراة، فهزمهم وظفر بهم.


(a) بولاق: عاكر بن يخوم.