للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكانت الملوك تعنى بها أتمّ عناية (a)، حتى إنّ الملك المنصور قلاوون كان يخرج في غالب أوقاته إلى الرّحبة عند استحقاق حضور الطّعام للمماليك، ويأمر بعرضه عليه، ويتفقّد لحمهم، ويختبر طعامهم في جودته ورداءته. فمتى رأى فيه عيبا اشتدّ على المشرف والأستادّار، ونهرهما، وحلّ بهما منه أمر (b) مكروه. وكان يقول: كلّ الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسوارا، وعملت حصونا مانعة لي ولأولادي وللمسلمين وهم المماليك.

وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطّباق لا تبرح فيها، فلمّا تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاوون، سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النّهار ولا يبيتوا إلاّ بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها. ثم إنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون سمح لهم بالنّزول إلى الحمّام يوما في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنّوبة مع الخدّام، ثم يعودون آخر نهارهم. ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيّام بني قلاوون.

وكانت للمماليك بهذه الطّباق عادات جميلة: أوّلها أنّه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السّلطان، ونزّله في طبقة جنسه، وسلّمه لطواشي برسم الكتابة. فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم. وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كلّ يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب اللّه تعالى ومعرفة الخطّ، والتمرّن بآداب الشّريعة، وملازمة الصّلوات والأذكار.

وكان الرّسم ألاّ تجلب التّجّار إلاّ المماليك الصّغار. فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدّمة. فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمي السّهام، ولعب الرّمح، ونحو ذلك. فيتسلّم كلّ طائفة معلّم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه. وإذا ركبوا إلى لعب الرّمح، أو رمي النّشّاب، لا يجسر جنديّ ولا أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم. فينقل إذا إلى الخدمة، ويتنقّل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرّتبة إلاّ وقد تهذّبت أخلاقه، وكثرت/ آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ


(a) بولاق: غاية العناية.
(b) بولاق: أي. المماليك اثنا عشر طبقة، كلّ طبقة منها قدر حارة تشتمل على عدّة مساكن، حتى إنّه يمكن السكنى في كلّ طبقة لألف مملوك. (زبدة كشف الممالك ٢٧). وانظر كذلك Levanoni A.، El ٢ art.Tabaka X، p. ٧.
وكانت الطّباق السّلطانية تقع في الجانب الشمالي الشرقي للقلعة بالقرب من مسجد سليمان باشا (سيدي سارية) في الحوش الذي يطلق عليه الآن «محكى القلعة»، Casanova، P.، op.cit.، p. ٦٤٩ (الترجمة العربية ١٣٧ - ١٣٨).