للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يواري الليلُ عُوارَها، أثقَلُ من مَنِّ، وأشحَذُ من مِسَنٌ، وأَبْغَضُ من مساء رقيب، وأشأمُ من صباح ذيب، وأقدر من قمل، وأحْرَصُ من نَمْلٍ، وأسقط من الذباب، وأسمج من الذِّئاب. بِعِرْضِ أَسْرَعُ تفطرًا من الزجاج، وآكل للقدر من الدجاج. لا له زاجرُ يَرْدَعُهُ، ولا آمر من العفافِ يَسَعه، يطير مع كل ناعق، ويعوي لكل ناهق، إذا شَعَرِ نَبَحَ، وإِذا أَنْشَدَ كَبَحَ. يتهادى إلى كلِّ مجلس كأنّه زلزلة، ويتباذى وما خرج من الخطوة الحاضرة قَدْرَ أَنْمُلَه. على أنه حام تتحامي صَرْحَهُ الذِّئاب، ويُعْرَفُ فضله على كثير ممن لبس الثياب. يرعى العظام ولا يلج بيت جاره إلا أنه يسعى حول الخيام، ذو حَمِيَّةٍ مَا شَهِدَ شبهها يوم الكلاب، وحفيظة ما عُرِفَ مثلها لبني كلاب، ببَصَر حديد، وساعد شديد، وفطنة لو تقيد بها عِلْمُ الطب أو تنحَلَ عَلِمَ أبقراط فصار الأكحل لا يخاف الغارة الشعواء ولا يهاب في السماء العواء. ولا يزال في الحي منه طائف يسعى، ومقدام الأسد إذا أقعى، تتوقى الأعداء من كلبه، وتتطاول الرؤوس ولا تَصِلُ إلى ذنبه. فاتك أخلا رامة من ظباتها السوانح، وسبق بطشه الجوارح. إذا رأته كلاب الحيّ بَصْبَصَتْ أذنابها، وأكرمَتْ مقدمه كأنّها تَعْرِفُ أَنْسابَها. إذا نُبذت له الحصاة ينزو لوقعها، وينبو لسُمْعَتِها. وله خط يروقُ وشي قَلَمِهِ، ويطولُ بِعِصِيّ يراعه كأنّما يهش بها على غَنَمِه. هذا مع رجوعه إلى أكرومته وعفافه، وقنعه بقليل الدم يَلِغُهُ، واللحم موفّر لأضافه، وعَدَم تهافته على آمال تتنافس طلابها، ودنيا تزاحم منها على جيفة وتهارس كلابها.

وحكى لي من لا أتهمه، ممن كان يَصْحَبُه ويَلْزَمُه، ويبيْتُ عِنْدَه ولا يُضْجِرُهُ ولا يُبْرِمُهُ، أنّه كان ينام عنده الليلة الطويلة بتمامها، ويُصبحُ النَّهار ويتضحى وهو نائم، فإذا حَضَرَ الغداء، أنبهه فقعد فأكَلَ، لا يغْسِلُ وجهًا ولا يدًا، ولا يقف مع أمر كأنه خُلِقَ سُدى. ما استيقظ وتوضا، ولا صلى سنة ولا فرضا، هذا مَعَ إِصرار لا يَهُمُّه منه لُبْسُ القبائح، ولا يخيفه تشيع الفضائح، ولا يضُرُّه أن يبيتَ جِسْمُه سماط السياط، وعرضه قرى القوابح. وعلى هذا فهو شاعر يملأ السمع عجبًا، ويهز الجماد طربًا، لا يفوته صيد معن شارد، ولا ليلٌ يَسْهَرُه الراقد. بديهة في التحصيل اعتادها، وقدرة على صَيْدِ شوارد المعاني لا يُنكَرُ له إذا صادها. عجبًا له وهو في هذا النَّسَبِ العريق، والمشابهة في التخليق، كيف خالف عادة مِثْلِهِ في الوفاء، وكيف حُمِدَ في نوعِهِ كُلُّ مُضمَرٍ، وَوُصِفَ وهو بالجفاء، إلا أنَّ محاسنَ شِعْرِه نطقت، ويد المعرفة به سبقت، وله حق الصحبة التي كانت إنفاقًا، فلَيْتها لا كانت ولا أنفقت. ومن بدائعه قوله فيما كتب به إلي: [من الكامل]

أبدالي يُجدد الحمام إذا شدا … ذكراك في الليل البهيم إذا هَذا

<<  <  ج: ص:  >  >>