للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واقعد عندنا اليوم. فلما قلع قماشه واطمأن، سرق جبته وخبّأها على سبيل اللعب. ثم جاءه بصحن كبير مغطى، فلما كشفه لم يجد فيه إلا سبع حبات من القطائف في غاية الصغر. فقال: ويحك ما هذه؟ فقال له: كُلْ، فإن استطبتها زدناك. فلما أكلها لم يأته بشيء آخر، ثم أمره بالانصراف. فلما قام لينصرف، لم يجد جبته، فسأل عنها. فقال له: أخذناها ثمن القطائف التي أكلتها. فقال (١): [من مجزوء الرجز]

قل لِلَّذي ضيَّفَني … في بَيْتِهِ سَبْعَ لُقَمْ

ورامَ أَخْذَ جُبَّتي … هَذا على الرِطلِ بِكَمْ

قلت: وعلى طول مدته في ديوان الدرج، واسترزاقه بقلم الإنشاء، وما يتلاظم في حفظه من أمواج المواد، وما تعاظم لديه من وافر الفضل لا يد له في تنميق النثر، ولا في تحقيق طريق الكتابة، بل هو مُخَلَّى فيها، ونَفَسُه يركد ولا يهب، ويقعد ولا يقوم، حتى في كتب السفيل، لا يرضى منها له كتاب، ولا تُحلَّى بشيء مما عنده من الأدب، بل هي في معزل، والكتابة في مغزل، وقد سدّ بينهما باب، وضيّع خازنه المفتاح، حتى لا يفتح ذلك الباب. انتهى كلامنا فيه.

* * *

وهذا آخر ما ذكرت من شعراء الجانب الشرقي، ممن ضمت حنايا القبور أسرارهم، وأخفت مغارب اللحود أقمارهم، ووسدهم التراب حشاياه، وكدّر لهم الدهر عشاياه، وصادَ وُرْقَهم الساجعة بازي الحمام المطل، وشبرق ثوب الشفق بدمهم سبع منونهم المطل، وها هم الآن كما رأيتهم أرواحًا، يتصوّر بالتمثيل عيانهم، وتُفض من مدارج الصحف أكفانهم.

* * *


(١) فوات الوفيات ١/ ١١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>