ديباجته الحقائق، ولا تَعُدُّ نظير درجته الرقائق. بفطنة زائدة، وفطرة لم تُنفق ساعته بغير فائدة. من نشأ بدَّ من أنشا، ومن حين راهق ساير النجوم ورافق. ومن أوّل ما نزع التمائم، برع في أهل العمائم، وشرع يُفتّق الزهر من الكمائم، ويهز الغصن تحت الحمائم. وكان ذا شباب رق ماؤه، وترف نعماؤه. يجلو قمر السَّماء، ويعطو بجيد ظبية أدماء. ترِفُ عليه طُرَّة وسالف، ولين أعطاف لا تخالف.
ولم يخل مذ كان من كآبة معشوق، وصبابة مشوق، حتى عُدَّ في الأعيان، وقعد على ذروة البيان، وقرّبته الملوك، فحظي بالجميل، وحُبِيَ بالجزيل. وكانوا إذا أنشد لديهم الشعراء، قدّم ابن الساعاتي، وأحسن إذا أساء العاتي لروائع لا يقدر الواصف يوفيها، وبدائع ما مضى قبلها، فأتى ذلك الساعة التي أنت فيها. ومنه قوله (١): [من الكامل]
نهبت منام العاشقين جفونُهُ … فلذاك ليس يزال كالوسنان
ذو وجنة حمراء حول عذاره … وكذا تكون شقائق النعمان
رشًا عَصَيْتُ عواذلي وأطعتُه … فأطاع في وشاته وعصاني
فقلتُ لمَّا رأيتُ الكأس في يَدِهِ … قد أمكن الجمع بين الماء والنَّارِ
وقوله (٣): [من الطويل]
إذا الحب لم يشفع بسقم وأدمع … فهاتيك دعوى لا تُزَكَّى شهودها
لقد سقمت مثل الجسوم جفونها … فلولا عُموم السقم كنّا نعودها
غدا مقلتي برقُ الحِمَى ووميضُهُ … فما غادرت من لوعة تستزيدها
= واشتهروا فيها بصنع الساعات، فعرف بالساعاتي ولد في دمشق سنة ٥٥٣ هـ، وفيها نشأ وتعلم، ثم قصد القاضي الفاضل في مدينة آمد على نهر دجلة بالعراق ومدحه، رجع إلى الشام واتصل بصلاح الدين في عينتاب ومدحه، ثم رحل إلى مصر ومدح الأيوبيين، وفقد فيها أبناءه الثلاثة، ظل حزينًا مهمومًا كثيبًا حتى وفاته في مصر سنة ٦٠٤ هـ. كان يحب الطرب ومجالس اللهو، وكان مكثرًا في شعره، يتكلف بالصناعة وضروب البديع، ومن فنونه التي أكثر فيها: المدح والفخر والرثاء والهجاء والغزل والمجون، له «ديوان شعر» كبير. ترجمته في: الغصون اليانعة ١١٨، طبقات الأطباء ٢/ ١٨٤، شذرات الذهب ٤/ ١٣، المرقصات والمطربات ٢٥٧، المقتطف ٩٧. (١) من قصيدة قوامها ٢٦ بيتًا في ديوانه ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩. (٢) البيتان في ديوانه ١/ ٣٢٩. (٣) من قصيدة قوامها ٢١ بيتًا في ديوانه ١/ ٧١ - ٧٢.