للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

(فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ) ووقع عند النسائيّ بلفظ: "إن عيني تنام" بالإفراد وهو صحيح، إذ "عين" مفرد مضاف، فيعمّ (وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") يعني: أن النوم إنما كان حَدَثًا لما فيه من احتمال الخروج بلا علم النائم به، وذلك لا يُتصوّر في حقه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ نومه ليس بحدث حيث إن قلبه يقظان، بخلاف غيره، وهذا من خصائص الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- ففي رواية البيهقيّ من حديث أنس -رضي اللَّه عنه-: "وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم".

ونقل الحافظ السيوطيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام -رَحِمَهُ اللَّهُ-، أنه قال: قد أُورد على هذا الحديث قضيّة الوادي لَمّا نام -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلو كانت حواسّه باقية مُدرِكة مع النوم لأدرك الشمس، وطلوع النهار.

قال: والجواب أن أمر الوادي مستثنى من عادته، وداخل في عادتنا.

وقال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ-: من أهل العلم مَنْ تأوّل الحديث على أن ذلك غالب أحواله، وقد ينام نادرًا، ومنهم من تأوّله على أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث.

والأولى عندي أن يقال: ما بين الحديثين تناقض، وأنه يومَ الوادي إنما نامت عيناه، فلم يَرَ طلوع الشمس، وطلوعُها إنما يُدرك بالعين، دون القلب. قال: وقد تكون هذه الغلبة هنا للنوم، والخروج عن عادته فيه، لِمَا أراد اللَّه تعالى من بيان سنّة النائم عن الصلاة، كما قال: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم". انتهى.

وقال الشيخ وليّ الدين العراقيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وفي "مسند أحمد": أنّ ابن صيّاد تنام عينه، ولا ينام قلبه، وكان ذلك في المَكْرِ به، وأن يصير مستيقظ القلب في الفجور والمفسدة؛ ليكون أبلغ في عقوبته، بخلاف استيقاظ قلب المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنه في المعارف الإلهيّة، والمصالح التي لا تُحصَى، فهو رافع لدرجاته، ومُعَظِّمٌ لشأنه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.