للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

بالقار، وهو الزِّفْتُ، وقيل: الزِّفْتُ نوع من القار، والصحيح الأول، فقد صح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: المزفت هو الْمُقَيَّر.

وقال في "الفتح": "والْمُقَيَّر": بالقاف، والياء الأخيرة: ما طُلِيَ بالقار، ويقال له: الْقَيْر، وهو نَبْتٌ يُحْرَق إذا يبس، تُطْلَى به السُّفُن وغيرها، كما تُطْلَى بالزِّفْت، قاله صاحب "المحكم"، وفي "مسند أبي داود الطيالسي" عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع، فيَخْرطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت.

وأما "النقير": فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت.

وأما "الْحَنْتَم": فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر.

وأما "المُزَفَّت": فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى (١).

وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما، لِيَحْلُوَ؛ ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَامًا، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شَقَّها غالبًا.

ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا"، رواه مسلم في "الصحيح".

قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية،


(١) "الفتح" ١/ ١٦٣.