عليه ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الزكاة" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة مانع الزكاة:"ما من صاحب إبل، لا يؤدّي حقّها منها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قَرْقَر أوفر ما كانت، تطؤه بأخفافها، وتَعَضّه بأفواهها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فَيَرَى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار … " الحديث بطوله، وفيه ذكر الذهب، والفضة، والبقر، والغنم، وهو دالٌّ على تعذيب من شاء الله من العصاة بالنار حقيقةً، زيادة على كرب الموقف.
وورد في سبب إخراج بقية الموحدين من النار ما تقدم أنّ الكفار يقولون لهم: ما أغنى عنكم قول: لا إله إلا الله، فَيَغْضَب الله لهم، فيخرجهم، وهو مما يُرَدُّ به على المبتدعة المذكورين. انتهى (١).
(ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي) أي يتركني ساجدًا، (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيه، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّار، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ"، قَالَ: فَلَا أَدْرِي، فِي الثَّالِثَة، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ)، وفي رواية هشام: "فأَحُدّ لهم حدًّا، فأُدخلهم الجنة، ثم أرجع ثانيًا، فأستأذن" إلى أن قال: "ثم أحدّ لهم حدًّا ثالثًا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع"، هكذا في أكثر الروايات، ووقع عند أحمد، من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: "ثم أعود الرابعة، فأقول: يا ربّ ما بقي إلا من حبسه القرآن"، ولم يشكّ، بل جَزَم بأن هذا القول يقع في الرابعة، ووقع في رواية معبد بن هلال، عن أنس: أن الحسن حَدَّث معبدًا بعد ذلك بقوله: "فأقوم الرابعة"، وفيه قول الله له: "ليس ذلك لك، وأن الله يُخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط"، فعلى هذا فقوله: "حبسه القرآن" يتناول الكفار، وبعض العصاة، ممن وَرَد في القرآن في حقّه التخليد، ثم يُخرج العصاة في القبضة، ويبقى الكفار، ويكون المراد بالتخليد في حقّ العصاة المذكورين البقاء في النار بعد إخراج من تقدمهم.
(١) "الفتح" ١١/ ٤٤٧ - ٤٤٨ "كتاب الرقاق" رقم (٦٥٦٥).