للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

يجوز أن يقال: الله تعالى خليل إبراهيم من الْخَلّة التي هي الحاجة، والله تعالى أعلم (١).

(فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ - صلى الله عليه وسلم -) زاد أبو هريرة - رضي الله عنه - في حديثه: "فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبيّ الله، وخليله من أهل الأرض، قُمْ اشفع لنا إلى ربك"، وذكر مثل ما لآدم قولًا وجوابًا، إلا أنه قال: قد كنت كذبت ثلاث كذبات، وذكرهُنّ (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) وفي حديث أبي بكر - رضي الله عنه -: "ليس ذاكم عندي"، وفي رواية هَمّام: "إني كنت كذبت ثلاث كذبات"، زاد شيبان في روايته: "قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك"، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد - رضي الله عنه -: "فيقول: إني كَذَبْتُ ثلاث كذبات، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما منها كذبة إلا مَاحَلَ بها عن دين الله"، و"مَاحَلَ" - بمهملة - بوزن جادَلَ، ومعناه.

ووقع في رواية حُذيفة - رضي الله عنه - المقرونة: "لستُ بصاحب ذاك، إنما كنت خليلًا من وراء وراء"، وضُبِطَ بفتح الهمزة، وبضمها، واختَلَف الترجيحُ فيهما، قال النوويّ: أشهرهما الفتح بلا تنوين، ويجوز بناؤهما على الضم، وصوّبه أبو البقاء، والكنديّ، وصوّب ابن دِحْية الفتح، على أن الكلمة مركبة، مثل شَذَرَ مَذَرَ، وإن ورد منصوبًا منونًا جاز، ومعناه: لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة الحبيب، قال صاحب "التحرير": كلمة تقال على سبيل التواضع: أي لست في تلك الدرجة، قال: وقد وقع لي فيه معنى مَلِيحٌ، وهو أن الفضل الذي أُعطيته كان بسِفَارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلَّمه الله بلا واسطة، وكرر "وراء" إشارةً إلى نبيّنا - صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمد.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصحيح عدم ثبوت الرؤية للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ببصره؛ لأنه صحّ عنه ذلك، فالقول به ضعيف، وما نُقل عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - وغيره يُحمل على أنه رآه بقلبه، لا ببصره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

وقال البيضاوي: الحقّ أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض


(١) راجع: "شرح مسلم" للنوويّ ٣/ ٥٥ - ٥٦.