ثم استدل شيخ الإسلام على سعة رحمة الله تعالى أنها أدركت أقوامًا ما فعلوا خيرًا، وساق أحاديث دالة على أن الرحمة أدركت من كان من عصاة الموحدين، كما ستعرفه، وليس من محل النزاع.
فمن الأدلة التي ساقها على مدعاه قصة الذي أمر أهله أن يحرقوه، ويذروه في الرياح في البر والبحر؛ خشية أن يعذبه الله، قال: فقد شك في المعاد، فأحياه الله تعالى، قال: فهذا لم يعمل خيرًا قط، وأدركته رحمة الله تعالى (١).
(١) "الحادي" ٢/ ٢١٧ في (فصل: ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار. . .) ٢/ ١٨٩ - ٢٢٨، ولم يذكر فيه ابن تيمية البتة، ولا جاء ذكره في المخطوطة المصورة في المقدمة. قال العلامة السيد محمد بن إبراهيم المرتضى اليماني في "إيثار الحق على الخلق" ص ٤٣٦: "وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله تعالى على ما ظنه محالًا، فلا يكون كفرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور ثم كذّبهم أو أحدًا منهم لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل". ذكر هذا في بحث هام بيَّن فيه أصل الكفر ومتى يكفر المسلم، فليراجعه المبتلون اليوم بتكفير المسلمين، واعتبارهم مرتدّين لشبهات قامت في نفوسهم؛ لجهلهم بالكتاب والسُّنَّة وما كان عليه السلف الصالح، أودت بهم إلى مفارقة المسلمين حتى في مساجدهم، فلا يصلّون معهم جمعة ولا جماعة، والله المستعان. ثم ذكر السيد -رَحِمَهُ اللهُ- أن الحديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة منهم: حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة، بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر كما في "جامع الأصول" و"مجمع الزوائد". قلت: وقد جزم بتواتره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٩١، وقد ذكرت لفظ الحديث من رواية أبي هريرة في المقدمة ص ٢٠. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر الحديث في "مجموع الفتاوى" ١/ ٢٣١ محتجًّا به على وجوب الاحتياط في التكفير فقال: "فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك". وقد بسط القول في ذلك في مكان آخر منه ١١/ ٤٠٨ - ٤١١، فليراجعه من شاء التوسع في هذا الموضوع الهام. الألبانيّ -رَحِمَهُ اللهُ-.