قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لكن وقع في رواية عطاء الخراسانيّ، عن الزهريّ:"فأنزل اللَّه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا} إلى قوله: {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[النور: ٢٢]، وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشر آية، فلعل في قولها: "العشر الآيات" مجازًا بطريق إلغاء الكسر، وفي رواية الْحَكَم بن عُتيبة مرسلًا عند الطبريّ: "لَمّا خاض الناس في أمر عائشة. . . "، فذكر الحديث مختصرًا، وفي آخره: "فأنزل اللَّه تعالى خمس عشرة آية من سورة النور، حتى بلغ: الخبيثات للخبيثين"، وهذا فيه تجوّز، وعدّة الآي إلى هذا الموضع ست عشرة، وفي مرسل سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم، والحاكم في "الإكليل": "فنزلت ثماني عشرة آية، متواليةً، كَذَّبت مَن قذف عائشة:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا} إلى قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}[النور: ٢٦]"، وفيه ما فيه أيضًا، وتحرير العدّة سبع عشرة.
قال الزمخشريّ: لم يقع في القرآن من التغليظ في معصيةٍ مَا وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة، وأشبعها؛ لاشتماله على الوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك، واستشناعه، بطرُق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كافٍ في بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان، إلا بما هو دون ذلك، وما ذلك إلا لإظهار علوّ منزلة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتطهير من هو منه بسبيل.
وعند أبي داود من طريق حميد الأعرج، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "جلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكشف الثوب عن وجهه، ثم قال: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}".
وفي رواية ابن إسحاق: "ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم"، ويُجمع بأنه قرأ ذلك عند عائشة، ثم خرج، فقرأها على الناس (١).
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَؤُلَاءِ الآيَاتِ) وفي بعض النسخ: "هذه الآياتِ"، وقولها:(بِبَرَاءَتِي)؛ أي: بسبب براءتي، ووقع في بعض النسخ: "بَرَاءَتي" دون الباء السببيّة، فيكون منصوبًا على أنه مفعول من أجله؛ أي: أنزلها لأجل