الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه، وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها:"وكنت جاريةً، حديثة السنّ"؛ أي: أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، وقد وُجِّهت رواية مسلم بأن المراد: لم يستنكروا الثقل الذي اعتادوه؛ لأن ثقله في الأصل إنما هو مما رُكِّب الهودج منه، من خشب، وحبال، وستور، وغير ذلك، وأما هي فلشدّة نحافتها كان لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقل.
والحاصل: أن الثقل والخفة من الأمور الإضافية، فيتفاوتان بالنسبة، ويستفاد من ذلك أيضًا أن الذين كانوا يَرْحَلون بعيرها كانوا في غاية الأدب معها، والمبالغة في ترك التنقيب عما في الهودج، بحيث إنها لم تكن فيه، وهم يظنون أنها فيه، وكأنهم جوّزوا أنها نائمة. انتهى (١).
(حِينَ رَحَلُوهُ)، أي: حملوه على الرحل، وقولها:(وَرَفَعُوهُ) تأكيد لمعنى "رحلوه"، قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: (وَكُنْتُ جَارَيةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) هو كما قالت؛ لأنها أُدخلت على النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد الهجرة في شوال، ولها تسع سنين، وأكثر ما قيل في المريسيع: إنها عند ابن إسحاق كانت في شعبان سنة ست، فتكون لم تكمل خمس عشرة، فإن كانت المريسيع قبل ذلك، فتكون أصغر من ذلك، وفائدة ذكرها هذا أنها مع نحافتها صغيرة السنّ، فذلك أبلغ في خفتها، ويَحْتَمِل أن تكون أشارت بذلك إلى بيان عُذرها فيما فعلته من الحرص على العقد الذي انقطع، ومن استقلالها بالتفتيش عليه في تلك الحال، وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لِصِغَر سنها، وعدم تجاربها للأمور، بخلاف ما لو كانت ليست، صغيرة، لكانت تتفطن لعاقبة ذلك، وقد وقع لها بعد ذلك في ضياع العقد أيضًا أنها أعلمت النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأمره، فأقام بالناس على غير ماء، حتى وجدته، ونزلت آية التيمم بسبب ذلك، فظهر تفاوت حال من جرّب الشيء، ومن لم يجربه، وقد تقدم إيضاحه في "كتاب التيمم".
(فَبَعَثُوا الْجَمَلَ)، أي: أثاروه، (وَسَارُوا) نحو المدينة ظانّين أنها في هودجها، قالت:(وَوَجَدْتُ عِقْدِي)؛ أي: قلادتي التي انقطعت منّي، ثم