للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وذلك: أنه -رضي الله عنه- بادر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالتَّصديق، والناس كلهم مكذبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم: أن لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- الفضلَ والإحسانَ، والمنة والامتنان، لكن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بكرم خُلُقِه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صَدَر عنه، وشَكَر الصنيعة لمن وُجدت منه، عملًا بشكر المنعِم، لِيَسُنّ، وليُعَلِّم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار، حيث جمعهم، فذكَّرهم بما عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزكاة، وقد ذكر الترمذيّ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر" (١)، وذكر الحديث، وقال: هو حسن غريب. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ- (٢)، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم.

(المسألة الرابعة): جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب:

منها: حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ"، أخرجه أحمد، والنسائيّ، وإسناده قويّ، وفي رواية للطبرانيّ في "الأوسط" رجالها ثقات من الزيادة: "فقالوا: يا رسول الله سَدَدت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها، ولكن الله سَدَّها".

وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: "كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: سُدُّوا هذه الأبواب إلا باب عليّ، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني والله ما سددت شيئًا، ولا فتحته، ولكن أُمرت بشيء، فاتبعته"، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، ورجاله ثقات.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أَمَر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبواب المسجد، فسُدّت إلا باب عليّ"، وفي رواية: "وأمر بسدّ الأبواب، غير باب عليّ، فكان يدخل


(١) رواه الترمذيّ (٣٦٦١).
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٤٠ - ٢٤١.