أيضًا، ساعيًا، وعاملًا على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة في الثقة، والأمانة.
وأجيب بأن هذا كله محمول على أنَّ تقديره: لأفعلنّ بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمَّدت كذبًا. انتهى (١).
وقوله: ("الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ") مبتدأ وخبره، ووقع في بعض النسخ بلفظ:"ثلاثًا" بالنصب، فيكون خبرًا بـ "يكون" محذوفًا، وحذف "كان" مع اسمها لا يختصّ بالماضي، بل يجوز في المضارع أيضًا، كقولهم: ألا طعامَ، ولو تمرٌ؛ أي: ولو يكون عندكم تمرٌ، كما قدّره سيبويه، ذكره الخضريّ في "حاشيته"(٢).
وقوله:(فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: إنما ضَحِكوا من جَزَع أبي موسى من تهديد عمر -رضي الله عنه-، مع علمهم بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البينة موجودة، ولأن عمر لَمْ يكذِّبه، ولا مقصوده جَلْده، ولا إهانته، بل التغليظ، والحماية. انتهى (٣).
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللهُ-: سبب ضَحِكهم التعجّب من فزع أبي موسى -رضي الله عنه-، وذُعْره، وخوفه من العقوبة، مع أنهم قد أَمِنوا أن يناله عقوبة، أو غيرها؛ لقوة حجته، وسماعهم ما أُنكر عليه من النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. انتهى (٤).
وقوله:(قَدْ أُفْزِعَ) بضمّ الهمزة من الإفزاع رباعيًّا، وهو التخويف، ووقع في بعض النُّسخ:"وقد فَزَع" ثلاثيًّا، يقال: فَزِعَ منه فَزَعًا، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، وأفزعته، وفزّعته، ففزِعَ (٥).
وقوله:(فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ) هو كناية عن كونه لا تناله العقوبة بوجه من الوجوه؛ لكونه صادقًا محقًّا فيما قاله، حيث سمعه الأنصار من النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى صار أصغرهم يشهد له، فكأنه يؤكّد له أن لا يناله شيء من العقوبة، والله تعالى أعلم.
(١) "عمدة القاري" ١١/ ١٧٧. (٢) "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ١/ ١٦٧. (٣) "المفهم" ٥/ ٤٧٦. (٤) "شرح النوويّ" ١٤/ ١٣٣ - ١٣٤. (٥) "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٢.