عثمان بن سعيد الدارميّ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وهو أصح (١)، قال:"لمّا خلق الله الجنة، قالت الملائكة: يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب، فإنك خلقت الدنيا لبني آدم، فقال الله تعالى: لن أجعل صالح ذريّة من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان". انتهى كلام ابن كثير رحمهُ اللهُ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ ابن كثير حسن جدًّا، إلا أن الأَولى والأحسن عندي أن لا نخوض في هذه المسألة وأمثالها التي ما كلّفنا الله بمعرفتها، فما أنزل بها آية، ولا فصّلها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفصيلًا، فالخوض والمناقشة في مثل هذا من فُضول الكلام الذي لا يعني الإنسان، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه"، فلا ينبغي للإنسان أن يشتغل بمثل هذه المسائل، فيضيع وقته الذي هو رأس ماله، فيخسر، والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم إن المراد بالملائكة في حديث الباب غير الحفظة والكتبة، وهم الذين يطوفون بالرحمة، والتبريك، والاستغفار. وأما الحفظة، والكتبة، فيدخلون كل بيت، وكذا الموكلون بقبض الأرواح، وقيل: المراد عموم الملائكة لظاهر الحديث، لكن الأول أَولى للأدلة الأخرى، كما سبق تحقيقه قريبًا، والله تعالى أعلم.
(١) قال عثمان الدارميّ رحمهُ اللهُ في أثناء كلام له: حدّثناه عبد الله بن صالح، حدّثني الليث، حدّثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "لقد قالت الملائكة: يا ربّنا … " الحديث، وصحّح الحديث الشيخ أحمد محمد شاكر، وضعّفه الشيخ الألباني بسبب عبد الله بن صالح. انظر ما كتبه على: "شرح العقيدة الطحاويّة" ص ٣٠٥ - ٣٠٨، لكن الذي يظهر لي أن الحديث حسنٌ، فإن عبد الله بن صالح أخرج له البخاريّ في "صحيحه"، كما صرّح به الحافظ في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، فأعدل الأقوال فيه ما قاله الحافظ ابن القطّان رحمهُ اللهُ: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يَسقط له حديثه، إلا أنه مختلَف فيه، فحديثه حسنٌ. انتهى. راجع: "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٥٦، فالظاهر أن الحديث حسن، والله تعالى أعلم. (٢) "البداية والنهاية" ١/ ٤٩.