قوله عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ}(توفاهم) فعل مضارع، وأصله: تتوفاهم بتاءين حذفت إحداهما كراهية اجتماع المِثْلين في صدر الكلمة، ويحتمل أن يكون ماضيًا، وذُكِّر على إرادة الجمع كقوله:{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ}(١) وتعضد الأول قراءة من قرأ: (إن الذين تّوفاهم) بتشديد التاء، وهو البزي عن ابن كثير (٢)، وقراءة من قرأ:(تُوفاهم) بضم التاء، وهو مضارع وَفَّيْتُ، ومعنى هذه: أن الله تعالى يُوَفِّي الملائكة أنفسهم فيتوفَّونها، أي: يمكّنهم من استيفائها فيستوفونها، وهو إبراهيم (٣)، وتنصر الثانية قراءة من قرأ:(توفتْهم) بتاء ساكنة مكان الألف (٤).
وقوله:{ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}(ظالمي) نصب على الحال من الهاء والميم في {تَوَفَّاهُمُ} أي: ظالمين أنفسهم، ثم حُذِف النون وأضيف، والإِضافة غير محضة، وإنما ظلموا أنفسهم لأنهم تركوا الهجرة، وقيل: أبطنوا الكفر (٥).
وقوله:{قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} أي: قالت الملائكة للمتوفَّين: في أي شيء كنتم من أمر دينكم حين خرجتم مع المشركين، أفي الكفر كنتم أم في الإسلام؟
(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٩. (٢) انظر هذه الرواية في المبسوط/ ١٥٢/، والتذكرة ٢/ ٢٧٥، والإتحاف ١/ ٥١٩. والبزي هو: الإمام أبو الحسن مقرئ مكة، ومؤذن المسجد الحرام، ولد سنة سبعين ومائة، وتوفي سنة خمسين ومائتين. (٣) انظر قراءة إبراهيم في المحتسب ١/ ١٩٤، والمحرر الوجيز ٤/ ٢٢٦، والبحر ٣/ ٣٣٤، وهل هو ابن أبي عبلة، أم النخعي؟ لم أجد من نص على ذلك. (٤) هكذا هذه القراءة في الكشاف ١/ ٢٩٢، والبحر ٣/ ٣٣٤ دون نسبة. (٥) انظر هذين القولين اللذين في معنى (ظالمي أنفسهم): في مفاتيح الغيب ١١/ ١١، وزاد المسير ٢/ ١٧٨ حيث جعلها ابن الجوزي أربعة أقوال. والعبارة من عند قوله: (وإنما ظلموا .. ) إلى هنا ساقطة من (د).