قوله عز وجل:{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا} فيه وجهان:
أحدهما: عطف على {وَصَّاكُمْ بِهِ}(٢)، قيل: وإنما جاز عطفه عليه بثم والإِيتاء قبل التوصية بدهر طويل؛ لأن هذه التوصية قديمة لم تزل تَوَصَّاها كُلُّ أمةٍ على لسان نبيها، كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب. فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديمًا وحديثًا، ثم أعظمُ من ذلك أَنَّا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك (٣).
والثاني: عطف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}(٤). وقيل: هو على إضمار القول، كأنه قيل: ثم قل آتينا موسى، يدل عليه قوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ}(٥)، فثم لترتيب ما أُمر به من القول، إذ قد علم أنه قبل القرآن (٦).
و{تَمَامًا}: مصدر قولك: تَمَّ الشيءُ يَتِمُّ تمامًا، إذا كَمل، فهو تامٌّ، وأتمه غيره إتمامًا، وفيه وجهان:
(١) الجمهور على أن التاء في (فتفرق) خفيفة، إلا البزي عن ابن كثير فقد قرأ بتشديدها. انظر المبسوط / ١٥٢/، والتذكرة ٢/ ٢٧٥، والنشر ٢/ ٢١٦، والإتحاف ٢/ ٣٨. (٢) من الآية السابقة. (٣) انظر هذا القول مع قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في الكشاف ٢/ ٤٩. (٤) الآية (٨٤) المتقدمة قبل شطر هذه السورة. (٥) من الآية (١٥١). (٦) انظر مثل هذا القول في معاني الزجاج ٢/ ٣٠٦، ومعاني النحاس ٢/ ٥٢٠، والمحرر الوجيز ٦/ ١٨٣.