قوله عز وجل:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ}(من) هنا تحتمل أن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر {يَضِلُّ}، والجملة في موضع نصب بفعل دلّ عليه {أَعْلَمُ}، وتقدير الكلام: هو أَعْلَمُ يَعْلَمُ أيُّ الناس يضل عن سبيله، كقوله تعالى:{لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى}(٢).
وأن تكون موصولة في موضع نصب بالفعل المقدر آنفًا لا بأعلم الملفوظ به؛ لأن أفعل لا يعمل النصب في الاسم الظاهر، لأنه غير جار على الفعل ولا معدولٍ عن الجاري، كَعَدْلِ ضَروب عن ضارب.
وقيل: إن موضعها جرٌّ على إرادة الجار، أي: أعلم بمن، كقوله في موضع آخر:{أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ}(٣).
فإن قلت: لِمَ جِيء بالباء هنا؟ قلت: للتعدية؛ لأن أفعل لا يَقْوَى قُوَّةَ الفعل فيُعدَّى بالجار، ألَا ترى أنك تقول: أنا أَعلمُ بزيد منك، ولا تقول: أنا أعلمُ زيدًا منك، كما تقول: علمت زيدًا، بغير الباء، فاعرفه فإنه موضع مشكل ونَحْوٌ سِيْبِيٌّ.
ولا يجوز أن تكون {مَنْ} في موضع جر بالإِضافة لئلا يصير التقدير هو
(١) هي قراءة الخمسة الباقين من العشرة. انظر السبعة / ٢٦٦/، والحجة ٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨، والمبسوط / ٢٠١/، والتذكرة ٢/ ٣٣٣. (٢) سورة الكهف، الآية: ١٢. (٣) سورة النحل، الآية: ١٢٥. والقول لأبي الفتح في المحتسب ١/ ٢٢٩. ورده مكي ١/ ٢٨٦، وضعفه ابن عطية ٦/ ١٣٧.