الليلُ فأنخت راحلتى وعَقلتها) (*) فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِى: أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِى مِنْ سُفَهَاءِ قوْمِهِ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ:
وَيْحَكَ عُذْ بِالله ذِى الْجَلَالِ ... وَالْمَجْدِ وَالنَّعْمَاء وَالأَفْضَالِ
وَاقْتَرِ آيَاتٍ مِنَ الأَنْفَالِ ... وَوَحِّدِ الله وَلَا تُبَالِ
قَالَ: فَدَعْوتُ دعوا (* *) شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِى قُلْتُ:
يَأَيُّهَا الْهَاتِفُ مَا تَقُولُ ... أَرُشْدٌ عِنْدَكَ أَمْ تَضْلِيلُ
بَيِّنْ لَنَا هُدِيتَ مَا الْحَوِيلُ؟
قَالَ:
إِنَّ رَسُولَ الله ذُو الْخَيْرَاتِ ... بِيَثْرِبَ يَدْعُو إِلَى النَّجَاةِ
يَأمُرُ بِالصَّوْمِ وَبِالصَّلَاةِ ... وَيَزْعُ النَّاسَ عَنِ الْهَناتِ
قَالَ: فَانْبَعَثَتْ رَاحِلَتِى، فَقُلْتُ: أَرْشِدْنِى رُشْدًا
هُدِيتَ، لَا جُعْتَ وَلَا عَرِيتَ، وَلَا بَرِحْتَ سَيِّدًا مُقِيتًا. قَالَ: فَاتَّبَعَنِى وَهُوَ يَقُولُ:
صاحَبَكَ الله وَسَلَّمَ نَفْسَكَا ... وَبَلغَ الأَهْلَ وَأدَّى رَحْلَكَا
آمِنْ بِهِ أَبْلَجَ رَبِّى حَقَّكَا ... وَانْصُرهُ أَعَزَّ رَبِّى نَصْرَكَا
قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ الله؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ أَثَالٍ، وَأَنَا عَامِلُهُ عَلَى جِنِّ نَجْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُفِيتَ إِبِلَكَ حَتَّى تَقْدَمَ عَلَى أَهْلِكَ، فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، وَدَخَلْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَخَرَجَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ فَقَالَ: اُدْخُلْ رَحِمَكَ الله، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا إِسْلَامُكَ، قُلْتُ: لَا
(*) ما بين القوسين من تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر، تهذيب: عبد القادر بدران.
(* *) هكذا بالأصل، في تهذيب تاريخ دمشق وغيره: (فذعرت ذعر شديدا).