للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِذَنْبِهِ، وَإِنْ كَفَّ عَنَّا لَمْ نَحْمِلْ عَليْهِ ذَنْبَ غَيْرِه، يَا أَخَا بَكْرٍ لَقَدْ حَكَمْتُ فيهِمْ بِحُكْمِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِى أَهْلِ مَكَّةَ، قَسَمَ مَا حَوَى الْعَسْكَرُ وَلَمْ يَعْرِضْ لمَا سِوَى ذلكَ، وَإِنَّمَا اتَّبَعْتُ أَثَرَهُ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، يَا أَخَا بَكْرٍ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ دَارَ الْحَربِ يَحِلُّ مَا فِيهَا، وَأَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ يَحْرُم مَا فِيهَا إِلَّا بِحَقٍّ، فَمْهلًا مَهْلًا رَحِمَكُم الله، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُصَدِّقُونِى وأَكْثَرْتُمْ عَلَىَّ - وَذَلِكَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِى هَذَا غَيْرُ وَاحدٍ - فَأَيّكُمْ ما أَخَذَ أُمَّهُ عَائِشَةَ بِسَهْمِهِ؟ قَالُوا: لَا، أَيُّنَا يا أمير المؤمنين! بَلْ أَصَبْتَ وَأَخْطَأَنَا، وَعَلِمْتَ وَجَهِلْنَا، فَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ الله، وَتَنَادَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، أَصَبْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصَابَ الله بِكَ الرَّشَادَ والسَّدَادَ، فَقَامَ عَمَّارٌ فَقَالَ: يَأَيُّهَا النًّاسُ إِنَّكُمْ وَالله إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ وَأَطَعْتُمُوهُ لَمْ يَضِلَّ بكُمْ عَنْ منْهَاجِ نَبِيِّكُمْ قِيْسَ شَعْرَةٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدِ اسْتَوْدَعَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الْمَنَايَا وَالْوَصَايَا وَفَصْلَ الْخِطَابِ عَلَى مِنْهَاجِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَنْتَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِىَّ بَعْدِى، فَضْلًا خَصَّهُ الله بِهِ إِكْرَامًا مِنْهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ أَعْطَاهُ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قالَ علِىٌّ: انْظُرُوا رَحِمَكُمُ الله مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ فَامْضُوا لَهُ، فَإِنَّ الْعَالِمَ أَعْلَمُ بِمَا يَأتِى مِنَ الْجَاهِلِ الْخَسِيسِ الأَخَسِّ، فإِنِّى حَامِلُكُمْ - إِنْ شَاء الله إِنْ أَطَعْتُمونِى - عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَمَرَارَةٍ عَتِيدَةٍ، وَالدُّنْيَا حُلْوَةٌ، الْحَلَاوَةُ لِمَن اغْتَرَّ بِهَا مِنَ الشِّقْوَةِ وَالنَّدَامَة عَمَّا قَلِيلٍ، ثُمَّ إِنِّى مُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَيْلًا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنَ النَّهْرِ، فَلَجُّوا فِى تَرْكِ أَمْرِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَكُونُوا - رَحِمَكُمْ الله - مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَطَاعُوا نَبِيَّهُمْ وَلَمْ يَعْصَوْا رَبَّهُمْ. وَأَمَّا عَائِشَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأىُ النِّسَاءِ وَشَيْءٌ كَانَ فِى نَفْسِهَا عَلَىَّ، يَغْلِى فِى جَوْفِهَا كَالْمِرْجَلِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيرِ مَا أَتَتْ إِلَىَّ لَمْ تَفْعَلْ، وَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حُرْمَتُهَا الأُولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى الله، يَعْفُو عَمَّنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فَرَضِىَ بِذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَسَلَّمُوا لأَمْرِهِ بَعْدَ اخْتِلَاطٍ شَدِيدٍ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: حكَمْتَ وَالله فِينَا بِحُكْمِ الله، غَيْرَ أَنَّا جَهِلْنَا وَمَعَ جَهْلِنَا لَمْ نَأتِ ما يَكْرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ:

<<  <  ج: ص:  >  >>