لابْتَدَرْتُمُوهُ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ فَقَالَ: يَا بْنَ الخَطَّابِ: ألَنَا تَضْرِبُ الأَمْثَالَ أمْثَالَ المُنَافقِينَ؟ فَمَا مَنَعَكَ مِمَّا عِبْتَ عَلَيْنَا فِيهِ أَنْ تَبْتَدِئَ بِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ يَعْلمُ أنِّى أُجِيبُهُ لَوْ يَدْعُونِى وَأَغْزُو لَوْ يُغزِينِىِ. قَال عَمْرُو بن سَعِيدٍ: وَلَكِن نَحْن لَا نَغْزُو لَكُمْ إِنَّ غَزَوْنَا إنَّمَا نغْزوُ لِلّهِ فَقَالَ عُمَرُ: وَفَّقَكَ اللهُ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَمْرٍو: اجْلِسْ - رَحِمَك اللهُ - فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يُرِدْ بِمَا سَمِعْتَ أَذَى مُسْلِمٍ وَلَا تَأنِيبَهُ، إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا سَمِعْتَ أَنْ يُبْعَثَ المتَثَاقِلُونَ إِلَى الأَرْضِ إِلَى الجِهَادِ، فَقَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَقَالَ: صَدَقَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اجْلِسْ - أَىْ أَخِى - فَجَلَسَ، وَقَالَ خَالِدٌ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِى لَا إله إِلَّا هُوَ الَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقَّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، فَاللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَمُظْهِرٌ دِينَهُ، وَمُهْلِكٌ عَدُوَّهُ، وَنَحْنُ غَيْرُ مُخَالِفِينَ وَلَا مُخْتَلِفِينَ، وَأَنْتَ الْوَالِى النَّاصِحُ الشَّفِيقُ، نَنْفِرُ إِذَا اسْتَنْفَرْتَنَا، وَنُطِيعُكَ إِذَا أمَرْتَنَا، فَفَرحَ بِمَقَالَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مِنْ أَخٍ وَخَلِيلٍ، فَقَدْ كُنْتَ أَسْلَمْتَ مُرتَغِبًا، وَهَاجَرْتَ مُحْتَسِبًا، قَدْ كُنْتَ هَرَبْتَ بِدِينِكَ مِنَ الكُفَّارِ لِكَيْمَا تُرْضى اللهَ ورَسُولَهُ، وَتَعْلُو كَلِمَتُهُ، وَأَنْتَ أَمِيرُ النَّاسِ، فَسِرْ يَرْحَمْكَ اللهُ، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ، وَرَجَعَ خالِد بنُ سَعِيدٍ فتَجَهَّزَ وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِى النَّاسِ أَنِ انْفِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى بِلادِ الرُّومِ بِالشَّام، وَالنَّاسُ يَرَوْنَ أَمِيرَهُم، خَالِدُ بْن سَعِيدٍ أَمِيرُهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ عَسْكَرٍ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ خَرَجُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ عَشَرَةٍ، وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ، وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ كَثِيرٌ (*)، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَرأَى عُدَّةً حَسَنَة لَمْ يَرَ عُدَّتهَا للِرُّومِ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ فِى هَؤُلَاءِ إن أرسلتهم نُشْخِصْهُمْ إِلَى الشَّامِ فِى هَذِهِ الْعُدَّةِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أرْضَى هَذِهِ العُدَّةَ لِجُمُوع بَنِى الأَصْفَرِ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرُوْنَ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نحْنُ نَرَى مَا رَأَى عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَا أَكْتُبُ كِتَابًا إِلَى أهْلِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجِهَادِ وَنُرغَّبُهُمْ فِى ثَوَابِهِ؟ فَرَأى ذَلِكَ جَمِيعُ أصْحَابِهِ، قَالُوا: نِعْمَ مَا رأَيْتَ، افْعَلْ، فَكَتَبَ: بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ خَلِيفَةِ
(*) (النَّاسُ كَثيرٌ) هكذا بالمخطوطة، وفى تهذيب تاريخ دمشق: أناسٌ كثيرون وهو الصواب.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute