ما هذا عبدك، إن هذا إلاّ ملك كريم! ولم يبق منهن امرأة إلا حاضت، وأنزلت شهوة من محبّته؛ فقالت زليخا عند ذلك: فهذا الذي لمتنّني فيه؛ فقلن: ما ينبغي لأحد أن يلومك في هذا، ومن لامك فقد ظلمك، فدونكه، قالت: قد فعلت فأبى عليّ، فخاطبنه لي.
فكانت كلّ واحدة منهن تخاطبه، وتدعوه سرّا إلى نفسها، وتبتذل له وهو يمتنع عليها، فإذا يئست منه أن يجيبها لنفسها، خاطبته من جهة زليخا، وقالت: مولاتك تحبّك وأنت تكرهها، ما ينبغي أن تخالفها، فقال: ما لي بذلك حاجة؛ فلمّا رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا، فقالت زليخا: لا يجوز هذا، لكنّه إن لم يفعل لأمنعنّه اللّذات، ولأسجنّنه، وأنتزع جميع ما أعطيته؛ فقالت يوسف: ﴿رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [الآية ٣٣ سورة يوسف].
فأقسمت بإلهها - وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد - أنّه إن لم يفعل لتعجّلنّ له ذلك. ثم أمرت بنزع ثيابه، وألبسته الصّوف، وسألت العزيز حبسه ليزول ما قذفها به، فأمر به فحبس.
ورأى الملك في منامه كأنّ آتيا أتاه فقال له إنّ فلانا وفلانا قد عزما على قتلك - يريد صاحبي طعامه وشرابه - فلمّا أصبح قرّرهما، فاعترفا له، وقيل اعترف أحدهما وأنكر الآخر، فأمر بحبسهما. وكان اسم صاحب الطّعام «راسان»، واسم صاحب الشّراب «مرطس».
وكان يوسف وهو في السّجن، رءوفا بمن فيه ويعدهم/ الفرج؛ فأخبره صاحبا طعام الملك وشرابه برؤياهما التي قصّها اللّه في كتابه، فوقع كما قصّه يوسف.
ورأى الملك البقرات والسّنابل، فعرّفه السّاقي خبر يوسف، فمضى إليه وقصّها عليه. فلمّا عاد إلى الملك، قال: جيئوني به؛ فقال يوسف: ما أخرج، أو يكشف أمر النّسوة اللاتي من أجلهنّ حبست؛ فكشف عن ذلك، فاعترفت زليخا بالقصّة.
ووجّه إليه، فأخرج وغسل من درن السّجن وألبس ما يليق بالدّخول على الملوك. فلمّا رآه امتلأ قلبه من حبّه وإكباره، وسأله عن الرّؤيا، ففسّرها كما قال اللّه تعالى؛ فقال الملك: ومن يقوم لي بذلك؟ فقال: أنا. فخلع عليه خلع الملوك، وألبسه تاجا، وأمر أن يطاف به، وركب الجيش معه، وتردّد إلى قصر الملك، وجلس على سرير العزيز، واستخلفه الملك على ملكه مكانه.
ويقال: إنّ العزيز أطفين كان قد مات، فزوّجه امرأته؛ وقال لها يوسف: هذا أصلح ممّا أردت؛ فقالت: اعذرني إنّ زوجي كان عنّينا، ولم ترك امرأة إلاّ صبا قلبها إليك من حسنك.