به أرضُها، ونَبَتَ له مُمضَّها، طلقها طلاق البنات، وقوَّض عنها خيامه قبل البيات. جوال آفاق، وجواب مهامة بلا رفاق. طار بغير جناح، واخترق حيث تهب الرياح.
وقد تقدم ذكر أخيه في الكتاب (١) في هذا الكتاب. وكان أبوهما ممن أحب له داعي الفلاح، وأجيل قلمه في سهام القداح، ثم غضب ابنه هذا عليه غضبة حملته على الاغتراب، وحلّقت به حيث لا يحلق الغراب. هذا وبدره ما اكتمل، وجلباب الورق على غصنه ما اشتمل. فأتى العراق في رفقة، سلكوا به السماوة، لا يصحبه إلا أبيض مسلول، ولا يؤنسه إلا أرقط زهلول، ولا يظلله إلا سمرة في يهماء، ولا بَرْدٌ إلا أداوة يترشف منها الماء. ونزل بها على خفاجة مخفيًا لنفسه، مظهرًا له أدب درسه، فلما تسمى لهم واكتنى، وكتم من أمره معلنا - وكان العهد إذ ذاك قريبًا بأخذ بغداد، وشتات شذاذ الخلافة في أقطار البلاد - ظنوه ابنًا للمستعصم، كان قد فقد على الجسر، بعد اقتحام التتار شوارعها الفساح، والتهام أفواه قسيهم الفاغرة مضغ الأرواح، وأبناء الخلائق لديهم نهبٌ صِيحَ في حجراته، وهضب ذيد عن سمراته.
ولقد حكى لي أن هذا صار فيه عقد دينهم، وعقل يقينهم، فقدموه عليهم إمامًا، وسلموه لهم زمامًا، وأنه لم يفسدهم بكشف باطنه، وإخراج خبيئه من مواطنه. وأتى الملك الظاهر هذا النبأ، فخاف منه فتقًا لا يرقعه، وخرقًا لا يجمعه، فكتب إلى ملك العرب عيسى بن مهنا يطلب منه إحضاره، ووكل به انتظاره، فاستدرجه إليه، ثم بعث به حتى أقدمه عليه، فلما حضر بين يديه، تعرّف إليه بأبيه، وشهد له بعض من حضر، فسلَّم وقد أهوى إليه الحجر، وأمر باستدعاء أبيه من دمشق، فلما وصل سلَّم إليه، وسُلَّ من قنصة الموت وألقى لديه، وقيل له: لا بورك لك، ثم رد ضائعه عليه.
ثم إنه كتب الإنشاء في الممالك، وتنقل بمصر ودمشق، ثم أبى حمل المشق.
= شعر كله لطائف وملح، وكان إذا أنشأ أطال فكره ونتف شعره وذقنه أو وضعه في فمه وقرضه بثناياه. مولده بمكة سنة ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م، وباشر الإنشاء بصفد وتنقل في البلاد فبلغ اليمن وعاد إلى الشام، وكان كلما أقام في مكان حدثت له وقائع مع نوابه وأمرائه فيخرج هاربًا. وآخر ما وليه كتابة الإنشاء في دمشق، واختل قبل موته بسنين فتوفي فيها سنة ٧٣٧ هـ/ ١٣٣٧ م. ترجمته في: الدرر الكامنة ١/ ٢٦٥ وشذرات الذهب ٦/ ١١٤ وفوات الوفيات ١/ ١١٥ - ١١٨ وفيه «وفاته سنة ٧٣٩» وهو يذكر مولده سنة ٦٥٠ ويقول: مات وله «سبع وثمانون سنة» الوافي بالوفيات ١٨/ ١٩، الأعلام ١/ ٢٢٣، معجم الشعراء للجبوري ١/ ١٩٧. (١) علي بن محمد بن سلمان بن حمائل، ترجم له المؤلف في السفر الثاني عشر برقم (٢٥).