للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثمّ أعقب هذه القصيدة برسالة منها:

«حتى إذا بلغت النَّفسُ أمنيتها، وأقبلنا على دمشق فقبلنا ثنيتها، رأينا منظرًا يقصر عنه المتوهّم، ويملأُ عين الناظر المتوسّم: ظلٌّ ظليل، ونسيم عليل، ومغنّى بنهاية الحُسْنِ كفيل. يُطوَى الحزنُ بنشره، ويصغر قدر البلاد دون قدره، فيَصْغُر عن صفته شِعبُ بَوَّان، ويُغمد في مفاضلته سيف غمدان، ويبهت لمباهاته نظر الإيوان. فالأغصانُ مائسة في سندسيها، متظاهرة بفخر حليها، قد ألقحتها بالأنهار، فأثقلتها بحملها، ولاعبتها الصبا، فتلقت كلُّ واحدةٍ بمثلها. فسرنا منها بين جنات كظهور البزاة، وجداول كبطونِ الحَيّات. قد هزّ الشوقُ أطيارها فصدحت، وحرَّكَ النسيم رباها فنفحت، وحنَّت علينا أفنانها حنو الوالدات على الفطيم، وحجبت عن معارضتنا الشمس وأذنت للنسيم، فإذا أصابت شمسها فرجةً، لاحظتنا ملاحظة الحياء، وألقت على فضة الماء شعاعها، فَصَحَّحت صناعة الكيمياء. ثم أفضينا إلى فضاء قد أثْرَى من الروض ثراه، وغَنِيَ عن مِنَّة السحاب ذراه، قد تشابه فيه الشقيقان خدًا وزهرا، واقترن الباسمانِ أقاحًا وثغرا، وتغاير أخضراه آسًا وعذارا، وأصفراه عاشقًا وبهارا، فأي هم لا تطرده المطردة، وفرح لا تجلبه أطيارها المغردة. ولما وصلنا إلى محلها الذي هو مجتمع الأهواء، ومقرُّ السَّرَّاء، ومَقْنَصُ الظباء، واستَوْطنا وطنها الذي هو للظامي نَهَلُهُ، وللمستوفر عَقْلُه (١). [من الطويل]

أجد لنا طيب المكان وحسنُهُ … منّى فتمنّينا فكنت الأمانيا

وهذا مع إكثاره لا يبلغ اليسيرَ من نَعْتِها، وما يُري آيةً من الحُسْنِ إلا هي أكبر من أختها.

ومن شعره قوله (٢): [من الكامل]

هذا فؤادي في يديك تذيبه … غادرتَهُ غَرَضَ الهموم تصيبه

ما كان يبلغ من أذاه عدوه … ما قد بلغت به وأنت حبيبه

تُهدي الشفاء له وأنتَ نعيمُهُ … وتَزيدُهُ مَرَضًا وأنتَ طبيبه

وسَرَى النَّسيمُ فهنَّ عِطْفَ غرامِهِ … إذ كان من جهة الحبيب هبوبه

ومنه قوله (٣): [من المنسرح]


(١) أخل بها شعره.
(٢) من قطعة قوامها ٦ أبيات في ديوانه ٩١ وفي شعره برقم (٣).
(٣) من قطعة قوامها ٩ أبيات في ديوانه ١٠٨ - ١٠٩ وفي شعره برقم (٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>