زائر، وشقُّ الأقطار بجناح طائر. وهو لميل النفوس إلى سماعه، وميل الرؤوس بإيقاعه، كأنَّما اشتق من كلّ البلاد، وشقَّ ليجتبيه كل فؤاد، سواء العاكف فيه والباد، والمتروي منه والصاد.
قلت: وقد ذكره ابن الفخر عيسى الإربلي في تذكرته، وهي التذكرة الفخرية، وقال (١): «فارس مبارز في حلبات الأدب، وعالم مبرز في لغة العرب. شعره أحسن من الروض جادة الغمام، وأزهى من اللؤلؤ الرطب زانه النظام. قال: وعاشرته مدَّةً فملأ سمعي ببدائع فرائده التي هي أحسنُ من الدُّرِّ في قلائده. وطلبت منه الإجازة فاعتذر اعتذار خجل، وأطرق إطراقَ وَجِل، وقال: أنا واللهِ أُجِلُّكَ عن هذا الهَذَرَ، أَنت أَوْلَى من عَذَر وسريع الاعتلاق بالخواطر، والاعتلاج في الضمائر. ومن مشهود قدره، في مشهور شعره، قوله (٢): [من الطويل]
بعثت لنا من سحر مقلتكَ الوَسْنَى … سُهادًا يذودُ الجَفْنَ أن يألف الجفنا
وأبصر جسمي حُسْنَ خصرك ناحلًا … فحاكاه لكن زاد في دقة المعنى
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
يوم تكاثف غيمُهُ فكَأَنَّهُ … دون السماء دخان ند أخضر
والطل مثل برادة من فضّة … منثورة في تربة من عنبر
والشمس أحيانًا تلوح كأنّها … أمةٌ تعرّض نفسها للمشتري
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
أدرها فدمع المزن قد أضحك الرُّبى … ونظم دُرّ النظم در الغمائم
وقد آن للإصباح أن يصدع الدُّجَى … كذا حدثتنا عنه ورقُ الحمائم
ومنه قوله، وأحسن (٥): [من البسيط]
إنِّي لأقضي نهاري بعدكم أسفًا … وطول ليلي بتسهيد وتعذيب
جفن قريح وقلب حشوُهُ حُرَقٌ … فمن رأى يوسفًا في حزن يعقوب
ومنه قوله (٦): [من المنسرح]
(١) التذكرة الفخرية ١١٢.
(٢) من قطعة قوامها ٨ أبيات في ديوانه ١٤٣ - ١٤٤ وشعره برقم ٦٧.
(٣) أخل بها شعره.
(٤) أخل بها شعره.
(٥) البيتان في ديوانه ٩٣، وشعره برقم (٢).
(٦) من قصيدة قوامها ١٠ أبيات في ديوانه ٩٩ - ١٠٠ وشعره برقم (٢٢).