سيارة. من أكابر بني منقذ، أصحاب شيْزَرَ، وأرباب تُقى. لا يشدُّ له على الفحشاء منزر. توارثها منهم سادةٌ غُرّ، وقادة توزّعت خطياتهم الدراري والدرّ، وكان هذا من أسنى بدورهم تمامًا، وأندى زهورهم أَرَجًا ناغي غمامًا. فارس وغي، لا تقعده السامة، وبَطَلُ حرب لا يُدْعَى إليها أشجع من أسامة من العلماء الشجعان، والكرماء في الطَّعامِ والطعان. يطعنون صدر الكتيبة، ويُطعمون السَّنةَ الجديبة. يمتون إلى البيت الفاضلي بحق الجوار، وحظ النَّسَبِ في الأدب، لا في النّجاد. وكانت له مع القاضي الفاضل صحبة زادت قدره بكتابه، وزانت حظه له مشابه، وبينه وبينهم كتب تنشر الرياض لمن تأمل، وتنظرُ الشُّهبُ منها في أردانِ من تَحمَّل، إلى همم يُناط بالفراقدِ نجادها، وينام على الظلم سُهَّادها. وهو من بني منقد علامة أعلام، وضرغامةٌ في أَجَمَةِ أَسَلٍ وأقلام حمامة سجع، وغمامة رجع، وصَمصامةٌ مُرْهَفٍ منهم لا يُفَلُّ له حد، وأسامة من بيت، كلهم أسود، ما منهم إلا كريم الجدّ، طمى على قريبهم سيله، وغطى على أطوادهم المنيفة ذَيْلُهُ.
وقد ذكره العماد الكاتب ذكرًا يوشُحُ الأعطاف، ويرشّح لفواضل هزاته السلاف.
قال (١): «وسكن دمشق، ثمّ نَبَتْ به كما تَنْبُو الدَّارُ بالكريم، فانتقل إلى مصر، فبقي بها مُؤَمَّرًا مشارًا إليه بالتعظيم، إلى أيَّامِ الصَّالح بن رُزِّيكَ. ثم عاد إلى الشَّامِ، ثم رماه الزَّمانُ إلى حِصْنِ كيفا، فأقام بها حتَّى مَلَكَ السُّلطان صلاح الدين، فاستدعاه وقد جاوز الثمانين» انتهى كلامه.
قلت: وقَدِمَ عليه وقد أمسك الهَرَمُ بواعِثَه، وشدَّ بإمساك العصا له رجلًا ثالثة، وقد جاوز الثمانين، وجاور ركائب إلى المنايا ما بين. وفي سنّه يقول: لمَّا عَلتْ ومرت أيامه التي خلت، وقد وَهَنَ جَلَدُه، ووهَى بَنانُه، ورَعَشَتْ يَدُه. ويصف فيها ما آلت إليه أحواله وآضت أقْصَرَ من أعمر الأيام أحواله، يتذكَّرُ شبابه المفارق، وناب سنانه في صدر المارق، إذ كانت قناته تحرق لَبَّةَ الأسد، وتخلق له في قلب الشجاع الحسد (٢):
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا … من بعد حَطْمِ القَنَا في لَبَّةِ الأَسدِ
= مصر إلى دمشق فقد مكتبته وكانت تربى على أربعة آلاف مخطوط. وفي مجلة الكتاب ٣/ ٥٠٦ كلمة عن ديوانه. وخريدة القصر - شعراء الشام ١/ ٤٩٨. وفيات الأعيان ١/ ٦٣ أو ١/ ١٧٥، شذرات الذهب ٤/ ٢٧٩، أعلام النبلاء ٤/ ٢٧٦، والمرقصات والمطربات ٢٤٣ وانظر: كتاب الاعتبار، وأعيان الشيعة ١٢/ ٧. الأعلام ١/ ٢٩١. معجم الشعراء للجبوري ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧. (١) خريدة القصر الشام ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩. (٢) الديوان ٣٨٤.