"يأمر الإسلامُ بمكارم الأخلاق، ويُثيب عليها في الدنيا والآخرة، مثل برِّ الوالدين، وإكرام الضيف، وإكرام الجار، وإعانة المحتاجين، وستر عورات الآخرين، والشجاعة، والصدق، والوفاء بالوعود، وردِّ الجميل، والكلام الطيب، وحفْظِ النظر، وغير ذلك مِن الأخلاق الجميلة في كثير مِن الآيات والأحاديث.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤](١).
وقال ﷺ:«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»(٢)، صحيح الجامع.
وفي الحديث «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ
(١) وحاصل خلُقِه العظيم ﷺ: ما فسرته به أم المؤمنين عائشة ﵂ لمن سألها عنه، فقالت: "كان خُلُقُه القرآنَ"، وذلك نحو قوله تعالى له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيُصُ عَلَيْكُم بِالمْؤُمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات الحاثَّات على الخلق العظيم؛ فكان له منها أكملُها وأَجَلُّها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلًا لينًا، قريبًا من الناس، مجيبًا لدعوة من دعاه، قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب مَن سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، وإذا أراد أصحابُه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإنْ عَزَمَ على أمر لم يستبدَّ به دونهم! بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عِشرةٍ وأحسنها، فكان لا يَعبس في وجهه، ولا يُغلظ عليه في مقاله، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عَشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ. يُنظر: جلاء الأفهام لابن القيم ﵀ (ص ٢٠٠). (٢) صحيح. الأدب المفرد (٢٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. صحيح الجامع (٢٣٤٩). والحديث بلفظ «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».