للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم

"الإسلامُ يجعل المسلمين كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص، ويساوي بين المسلمين؛ فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلَّا بالتقوى، وحرَّم الفخر بالأحساب والطعن بالأنساب.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].

ولذلك كان في صحابة النَّبِيِّ المقرَّبين عنده بلالٌ الحبشيُّ، وسلمانُ الفارسيُّ، وصهيبٌ الروميُّ، وكثيرٌ مِن الفقراء والمساكين كأصحاب الصُّفَّة -وهم فقراء المهاجرين-، كما أنَّ كثيرًا مِن علماء الأُمَّة الإسلامية وعظمائها كانوا مِن غير العرب" (١).

ولذلك فأنت تجد في صفوف الصلاة في المساجد -اليوم- أنَّ المسلمين يصطفون في تلك الصفوف أولًا وآخرًا، يمينًا وشمالًا، الكتفُ بالكتف، والقدمُ بالقدم؛ دون أيِّ اعتبار للمكانة الاجتماعية لِمَن بجانبهم! كلهم يأتمُّون برجل واحد قد يكون أدنى منهم مرتبة اجتماعية؛ ومع ذلك لا يثير ذلك أدنى تحفظ عن الصلاة خلْفَه!

بل في ذلك المشهد المهيب في موسم الحج كلَّ عام؛ تجدُ المسلمين -الأبيض منهم والأسود والأصفر والأحمر- كلَّهم قد تَخَلَّوا عن طبقاتهم وأموالهم ومناصبهم ليأتوا برداء وإزار ونعال فقط! شُعثًا غُبرًا، قد اصطفوا خلف إمام واحد في صلاة خطبة يوم عرفة، وهذا مِن أوضح الأدلة على أنَّ الإسلامَ لا يعتبر التميز بالطبقات وإنما بالقُرُبات، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].


(١) كتاب الخمسين من محاسن الدين للشيخ مسند القحطاني (ص ٦٩).

<<  <   >  >>