للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"وقد أشار تعالى إلى حكمة طريقة التوزيع بقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، فوضَعَها اللهُ بنفسه بحسب ما يَعْلَمُه مِن قُرْبِ النفع، وما يُحب العبدُ عادةً أنْ يصل إليه مالُه، وما هو أولى ببِرِّهِ وفضْلِه، مرتبًا ذلك ترتيبًا تشهدُ العقولُ الصحيحةُ بحُسْنِه، وأنه لو وُكِلَ الأمرُ إلى آراء الناس وأهوائهم وإراداتهم لحصل بسبب ذلك مِن الخلل والاختلال وزوال الانتظام وسوء الاختيار ما يشبه الفوضى.

وجَعَلَ الشارعُ للعبد أنْ يوصيَ في جهات البِرِّ والتقوى بشيء مِن ماله فيما ينفعه لآخرته، وقَيَّدَ ذلك بالثلث فأقلَّ، لغير وارثٍ، لئلا تصير الأمورُ -التي جعلها اللهُ قيامًا للناس- ملعبةً يَتلاعب بها قاصرو العقول والديانة عند انتقالهم مِن الدنيا، أمَّا حالُهم في حالة صحة الأجسام والعقول؛ فما يخشونه مِن الفقر والإفلاس مانعٌ لهم مِن صَرْفِه فيما يَضرُّهم غالبًا" (١).

وفي الحديث الصحيح: «الثُّلُثُ يَا سَعْدُ؛ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ! إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أَغْنِيَاءَ؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».

ومعنى: (الثَّلْثُ كَثِيرُ) يعني لو كانت الوصية أقل من الثلث؛ فهو أفضل.

ومعنى: (تَذَر) تترك بعد موتك.

ومعنى: (عَالَةٌ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي: فقراء يتسولون من الناس ما يحتاجون إليه!


(١) الدُّرَّة المختصرة في محاسن الدِّين الإسلامي للسَّعدي (ص ٢٧).

<<  <   >  >>